• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
02:03 ص - الإثنين 23 / مايو / 2022

سردية التاريخ المقموعة خارج النص الفلسطيني..!!

سردية التاريخ المقموعة خارج النص الفلسطيني..!!
4صورة الكاتب

أكرم عطالله

 

بقلم: أكرم عطالله

 

هذا الأسبوع كان الرئيس الفلسطيني الأكثر حضورا في وسائل الاعلام الفلسطينية الاسرائيلية على الأقل ولا تزال أصداء الخطاب الذي ألقاه تتردد حتى اللحظة، قال الاسرائيليون كلاماً كثيراً هاجموه لكن أصدقهم كان أحد المقربين من رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يزور الهند والذي لم تذكر الصحافة الاسرائيلية اسمه قال "أن هذا خطاب رئيس لم يعد لديه ما يخسره".

 

ليس مهماً هنا ما قاله الاسرائيليون يمينهم ويسارهم الذين أجمعوا على نبذ الخطاب وليس مهماً أيضاً السلوك الأميركي الذي بدأ بإجراءاته العقابية ضد الأونروا لكن المهم هو تلك السردية التاريخية عن المشروع الصهيوني والحركة الصهيونية بالأرقام والأسماء والتواريخ ليصل الرئيس الى نتيجة مفادها أن المشروع هو صنيعة الامبراطوريات الكبرى التي حكمت العالم بدء من ثورة كرمويل وصولاً لوعد بلفور معرجاً على القضية الأبرز قضية الضابط الفرنسي اليهودي درايفوس والتي كان يغطي وقائع محاكمته الصحفي النمساوي اليهودي ثيودور هرتسل مؤسس المشروع الصهيوني ليبدأ فكرته من تلك المحكمة.

 

أغلب الظن أن السرد التاريخي الذي جاء بالخطاب بطابع أكاديمي مستنداً لأطروحة الدكتوراة التي قدمها عن الحركة الصهيونية إلا لما تذكر رجل في منتصف ثمانينات العمر كل تلك الأحداث والأرقام بتلك الدقة ، لم يتحدث الرجل في علم الأساطير القديمة بل بتاريخ مكتوب خلال القرون الأربعة الأخيرة وهو ما جعل الرئيس الاسرائيلي رؤبين ريفلين يستنكر في لقاء جمعه بوفد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة قائلاً "انه ينكر عودتنا الى وطننا انه يقول أن اسرائيل هي نتيجة مؤامرة من العالم الغربي لتوطين يهود في مناطق تابعة للسكان العرب".

 

السردية التي استعرضها الرئيس الفلسطيني أبو مازن تستند الى مرجعيات بحثية وأكاديمية وجملة ما قاله لم يكن غريباً على المثقفين والمتابعين للشأن الاسرائيلي وكيفية نشوء ما عرف بالمسألة اليهودية منذ الثورات الأوروبية التي أفسحت المجال للمساواة ودمج اليهود في المجتمعات الأوروبية وهو ما هدد بإنهاء الفيتو وتذويب الهوية اليهودية مروراً بما عرف بالمؤرخين الجدد من الاسرائيليين الذين ظهروا مطلع تسعينات القرن الماضي وهم مجموعة من الباحثين الأكاديميين وحاولوا تقديم سرد مختلف عن الرواية الاسرائيلية منهم بيني موريس واسرائيل شاحاك وايلان بابيه وباروخ كمرلنج وغيرهم لكن يبدو أن المؤسسة الاسرائيلية لم تسمح آنذاك بإحداث تصدع في جدار الرواية ليخفت نجم هذه الظاهرة.

 

التاريخ لا يمكن اخفاؤه وغير مسموح للديماغوجيا أن تمارس فوضويتها بهدف طمسه فهو ملك للذاكرة وللأجيال وللبشرية للاستفادة من تجاربه، لإسرائيل سرديتها الطويلة وتفسيرها للتاريخ بدء من الروايات القديمة والتاريخ الأوروبي وتقدم الحركة الصهيونية باعتبارها حركة تحرر وطني وتعتبر أن احتلالها للقدس هو عملية تحرير لها من الغرباء أما روايات قيام الدولة والتي حاول المؤرخون الجدد نبشها فهي تحتفظ برواية مختلفة حتى عن الواقع.

 

كما أن من حق اسرائيل أن تسرد التاريخ فلماذا تستكثر على الفلسطيني أن يقرأ سرديته الخاصة؟ بل وتشتد حملتها إن اقترب من التشكيك بالرواية الاسرائيلية وتتهمه ب اللاسامية مثلما فعلت مع الكاتب الفرنسي روجيه غارودي وغيره وكأن لها حصرية تفسير هذا التاريخ بالرغم من أن الرئيس أبو مازن لم ينكر المحرقة وهي جزء من التاريخ أيضاً لا ينكره الفلسطينيون لكنها تستمد من المحرقة وسيكولوجيه الضحية ما يجعلها أقدر على إدانة من يقترب من هذا التاريخ.

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في منازلة التاريخ القائمة ليس فقط باعتباره أحد دعائم الحق في عالم القوة الذي لا يعترف بالحقوق بل انصافاً لمسار قد تحقق في اطار تواصل الحضارة الانسانية، السؤال لماذا يحق لإسرائيل أن تواصل روايتها وتعليمها للأجيال اليهودية فيما أن الفلسطيني محروم من ذلك الحق وملاحق حتى في قراءته للتاريخ وفي كتاب الجغرافيا؟

 

واذا كان الرئيس الفلسطيني يعطي عرضاً شاملاً لجذور الأزمة وتفاصيلها لماذا تأخر في تقديم هذا العرض؟ قد يكون للمناخات التي ولدتها عملية التسوية دور في ذلك لكن ليس الى الحد الذي يجري عملية الغاء تامة للتاريخ؟ ولماذا مسموح للإسرائيلي أن يدرس تاريخه وتاريخنا بوجهة مقابلة ولا يحق للفلسطيني أن يدرس هذا التاريخ وخصوصاً أن الأجيال الجديدة لا تعرف عما كان يتحدث عنه الرئيس في خطابه في المجلس المركزي.

 

قبل جيل وأكثر كانت الفصائل الفلسطينية تقوم بهذا الدور من تعليم وزيادة المعرفة سواء في السجون أو خارجها لكن الجيل الجديد ومع تراجع عملية التثقيف لدى الفصائل ليس له سوى التعليم الرسمي لمعرفة التاريخ فلماذا يغيب هذا عن المنهاج الدراسي؟ وهو السؤال الذي طرحه بعض النشطاء والكوادر والمثقفين مباشرة مع نهاية الخطاب ولماذا يخلو المنهاج الدراسي الفلسطيني من هذا التاريخ؟

 

منذ تسعينات القرن الماضي تعمدت اسرائيل تشكيل لجنة مشتركة لمكافحة التحريض اكتشف الفلسطيني أنها وصلت لملاحقة الكتب المدرسية الفلسطينية والمنهاج الفلسطيني اختفى عمل تلك اللجنة مع الانتفاضة بالرغم من وجود الأميركان في هذه اللجنة، وقبل أيام أعلن مسئول أميركي نيته فحص المنهاج الفلسطيني، تلك روايتنا التي تستوجب التسلح بها في محاولة الطمس القائمة حد التشكيك بوجودنا هنا على هذه الأرض علينا التفكير بكيفية تلقينها للأجيال لا أن نستلها في لحظة غضب عابرة ،هذا لا يجوز..!!