• دولار أمريكي 3.49
  • دينار أردني 4.78
  • يورو 4.14
  • جنيه مصري 0.19
01:50 م - الثلاثاء 16 / يناير / 2018

"في أثر غيمة".. رحلة إلى داخل الإنسان

أخبار فلسطين-وكالات

لا مكان للحروب والدماء والصراعات العنيفة القاتلة في رواية "في أثر غيمة" للبناني حسن داود، لا تورط في مقاربة ظواهر دعائية في متنها، هناك حروب من نوع آخر، صراعات مختلفة عن تلك التي تتداولها الأخبار وتغرق فيها الوقائع، عالم منفصل عن راهنه تتداخل فيه النقائض، وهناك كذلك اشتغال على دواخل الإنسان في رحلة الحياة، وتأثيرات الزمن عليه، وإمكانية التغيير والبحث عن الحرية وسط تخبط البعض وبحثهم المفترض عن السعادة والهدوء والأمان.

 

ينسج داود روايته (الصادرة عن دار الساقي في بيروت 2017) وفق إيقاع هادئ، رتيب، يتوافق مع مزاج الرحلة الذي يطغى على الشخصيات الباحثة عن سبل مصالحة مع الذات والآخر والواقع، يبتعد عن الإثارة في تحبكه لأحداث عمله الذي يتبدى رحلة عميقة إلى دواخل الشخصيات التي تمثل شرائح مختلفة من المجتمع.

 

أغلال الواقع

يثير داود -الذي سبق أن فازت روايته "لا طريق إلى الجنة" بجائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2015- أسئلة من قبيل: كيف يتعرف الغرباء إلى بعضهم بعضا؟ أي مشاعر يحملونها بعد رحلة قصيرة؟ هل يمكن أن تشكل رحلة على متن باخرة مرحلة جديدة للتغيير في حياة الإنسان؟ إلى أي حد تساهم مراجعة الذات ومواجهة الآخر في تحريك المياه الراكدة في حياة صاحبها؟ هل يمكن التقصي عن أثر غيمة هاربة متبددة في أفكار الناس أكثر منها في سماء مفترضة؟ هل يكون ما قبل الرحلة كما بعدها؟

 

يقرر سالم الشريف أن يذهب منفردا لقضاء رحلة لأيام على متن باخرة كبيرة، يبحث عن شيء من الراحة والهدوء ليتمكن من القراءة والكتابة بأريحية وحرية، يود قضاء وقت بعيدا عن محيطه الاجتماعي، والتزاماته الأسرية، بحيث يشعر بانطلاقه وحريته بعيدا عن أغلال الواقع التي تبقيه في انشغال دائم، ولا تفسح له أي مجال ليهنأ بالكتابة براحة وهدوء.

 

لا يحدد الكاتب مكان الرحلة ولا زمانها، هي تجري في مكان ما فيه نهر كبير يمكن لباخرة عملاقة الإبحار فيه، وفي زمان مفتوح، يتطابق إلى حد ما مع الزمن الحاضر بضغوطه الكثيرة التي يفرضها على الناس، سواء من حيث العمل أو من حيث تفاصيل العلاقات الإنسانية المتداخلة فيه.

 

لا تسير ظروف الرحلة كما كان يشتهي، فلم يستطع الإبقاء على المسافة بينه وبين الآخرين، وجد نفسه منخرطا في تفاصيل علاقات لا تنجلي له ببساطة، ينشغل بها، يغدو أحيانا طرفا من أطرافها. تفرض عليه الرحلة طقوسها الخاصة، لا تفسح له مجالا ليبقي نفسه محجوبا أو منعزلا، بل تضعه في خضم التواصل الذي كان ينشد الهروب منه أو التملص من تبعاته.

 

تتبدد ظنونه بالرحلة من حيث الراحة والوقت والهدوء والاسترخاء، لا يجد الوقت لإتمام قراءته لروايات هاروكي موراكامي التي حملها معه على أمل أن يكمل قراءتها في رحلته، كما لا يسعفه الوقت لنظم أشعاره أو تدبيج قصصه التي كان ينوي الشروع في كتابتها. تخطفه الأحداث من عزلته المأمولة إلى صخب عالم الباخرة لينغمس في علاقات مع بعض الركاب وآخرين من طاقم الباخرة.

 

هناك علاقات متشابكة تربط بين رضوان وعبد الإله ولمى، وهناك فريال وتميم، وتلك العلاقات تستدرج سالم الشريف إلى فخاخها، يشترك فيها من دون أن يقرر ذلك، يغدو متواطئا مع لمى، ويرنو للكشف عن أسرار تخبئها عنه، ولا سيما أنهم من طاقم الباخرة، لا يغادرونها، وكأنهم مسجونون على متنها، أو كأنهم خاصموا اليابسة وحياتها، تسر له لمى ببعض مما يجول في قرارتها، وتؤكد رفضها مغادرة الباخرة.

 

مرآة المسافر

يشير داود إلى أن الرحلة التي يتوقع المرء أن تعيد إليه توازنه أو هدوءه، قد تتحول إلى مرآة تكشف له خبايا واقعه، والحطام الذي يغرقه، وكيف أن كثيرا من الناس يهربون إلى استراحات وعطلات يتوقعون أنها قد تغير إيقاع حياتهم، لكنها تصبح قيدا آخر من القيود التي يعيشونها في واقعهم، وكأنهم محكومون بالأسى والاغتراب في حلّهم وترحالهم.

 

يلفت داود إلى اختلاف الناس في التأثر بالظروف التي يمرون بها، فقد تشكل الرحلة لبعضهم محطة عابرة، وما يحدث فيها ينسى كأنه لم يكن، في حين قد تشكل لآخرين نقطة تحول كبرى في حياتهم، وما يحدث فيها يؤثر على حياتهم القادمة ومستقبلهم، ولا يمكن نسيانه أو تجاهله.

 

ترمز الرحلة في جانب منها إلى رحلة الحياة نفسها، يمضي الناس فيها مخططين كثيرا من الخطط، لكن الدروب تنعطف بهم في مسارات مختلفة تقودهم إلى أماكن لم يتخيلوها، أو أشخاص لم يظنوا أنهم قد يعرفونهم أو تربطهم بهم أي علاقة ذات يوم.