• دولار أمريكي 3.49
  • دينار أردني 4.78
  • يورو 4.14
  • جنيه مصري 0.19
01:49 م - الثلاثاء 16 / يناير / 2018

المسجد الأقصى يربط قلوب مسلمي العالم وعقيدتهم وعبادتهم وتاريخهم وتراثهم

المسجد الأقصى يربط قلوب مسلمي العالم وعقيدتهم وعبادتهم وتاريخهم وتراثهم

أخبار فلسطين  - وكالات

عن أبي ذَرٍّ، قال: (قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قلت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ، فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ). (صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة).

 

 

هذا الحديث النبوي الشريف، يبرز الأهمية التاريخية لوجود المسجد الأقصى، فهو ثاني المساجد وجوداً على وجه الأرض، مما يعني تمتعه بعراقة تاريخية مميزة، فمساجد الأرض كثيرة، لا تعد ولا تحصى، ولمتصدر الوجود منها لا ريب أهمية ومكانة تميزه عنها، فارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى يسبق كثيراً تاريخ الإشادة العمرانية المقامة في باحاته، كالمسجد القبلي، ومسجد قبة الصخرة، وما يتبعهما من قباب، ومساطب، وأروقة، وغرف، وآبار، وملاحق أخرى، فهو ثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله، مما يعني أن الاحتجاج بالسبق الزمني خلال معركة الصراع عليه محسومة لصالح المسلمين، ولكن كثيراً من الناس يكابرون بجهلهم وتعصبهم الأعمى وطغيانهم، من غير أن يفقهوا حقائق التاريخ، وتسلسل وجود أماكن العبادة عبره.

يذكر ابن حجر أن هذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96).

 

ويقصد بالبيت فيه بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت، وقوله: (المَسْجِدُ الأَقْصَى) يعني مسجد بيت المقدس، قيل له الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث. (فتح الباري، 6/408).

 

وقوله: (أَرْبَعُونَ سَنَةً) أي بينهما أربعون سنة، ويجيب القرطبي عن ظاهر الإشكال المتعلق بهذا التحديد، فيقول: إن الآية الكريمة والحديث لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان، عليهما الصلاة والسلام ،ابتدآ وضعهما، بل كان تجديداً لما أسس غيرهما، وقد روي أن أول من بنى البيت آدم، وعلى هذا؛ فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عاماً. (عمدة القاري، 15/262)

 

الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى

 

 

 

لم يكن الإسراء بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، أمراً عارضاً، ولا عبثاً دون غاية مقصودة، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، حتى إن فاتحة سورة الإسراء التي نطقت بالإخبار عن حادثة الإسراء فُتحت بالتسبيح، الذي يعني التنزيه، فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء: 1).

 

 

فالله جل في علاه منزه عن العبث والفعل العابر غير المقصود، وهو كذلك منزه عن مشابهة الحوادث والمخلوقات في صفاته وأفعاله، فلا مجال للمقارنة بين فعله وأفعالهم، فليس كمثله شيء، إذن فعل الإسراء الذي نسبه الله لنفسه، كان مقصوداً لِحكَمٍ قدرها الله وأراداها، وإلا كان من الأيسر لقبول البشر لو تم المعراج بالرسول، صلى الله عليه وسلم، من مكة المكرمة مباشرة إلى السماء، ولو تم ذلك على هذا النحو لانخفضت وتيرة المعارضة لدى الناس، الذين لم تقبل عقولهم خبر الإسراء بالرسول، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى القدس في ليلة واحدة، في ظروف لم تكن فيها طائرات تُقِلّ المسافرين، ولا صواريخ عابرة للقارات، ومعظم الاعتراض انْصَبَّ من هؤلاء على خبر الإسراء، وليس على خبر المعراج، إذ إن لديهم خبرة بالسفر من مكة إلى بيت المقدس، وما يتطلبه من وقت وجهد، أما السفر إلى السماوات فما عهدوه، إذن كان الإسراء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، مقصوداً لله رب العالمين، ولو تأمل أصحاب العقول في الربط الذي تم بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في بيت المقدس، لوجدوا أن هذا الربط شأن رباني، وحقيقة تاريخية ثابتة، وهو كذلك حقيقة قرآنية راسخة، ولو آمن بها المسلمون الذين يدينون بدين الإسلام وحدهم حق الإيمان، للزمهم بمقتضى ذلك تجاه ما يجري للمسجد الأقصى من كيد أن يقفوا مواقف داعمة تفوق التي يقفونها الآن في المستوى والتأثير، فالمسجد الأقصى ليس أي مسجد، فهو مسرى خاتم النبيين والمرسلين، عليه الصلاة والسلام، الذي ينتسب لديانته في العالم ما يقارب الآن مليارا مسلم، يقرأون سورة الإسراء ضمن تلاوتهم القرآن الكريم في تعبدهم إلى الله في صلاتهم وخارجها، مما يعني استحالة أن ينسوا قضية المسجد الأقصى، وارتباطها العقائدي في قلوبهم وإيمانهم، حتى لو بذل شياطين الإنس والجن الجهود المضنية لنزع إيمان المسلمين بحقهم التليد بالمسجد الأقصى، فإنهم لن يفلحوا، وستثبت لهم الأيام والأحداث أن أطفال المسلمين وشبابهم وشيوخهم ورجالهم ونساءهم متمسكون بهذا المسجد انطلاقاً من عقيدتهم وإيمانهم، وتعبر أفعالهم وألسنتهم عن التمسك به، بما يمكن ترجمته بلغة المقال (لبيك لبيك يا أقصى، نموت دونك، رغم أنف الكارهين، وحقد المتربصين، وغطرسة الظالمين.

 

قبلة المسلمين الأولى

 

استقبال المسلمين بيت المقدس في صلاتهم في بداية عهدهم بالإسلام بعد بعثة النبي محمد، صلىالله عليه وسلم ، حقيقة ثابتة في النصوص الشرعية والوقائع التاريخية، فعن الْبَرَاءِ بن عازب أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ على أَجْدَادِهِ أو قال أَخْوَالِهِ من الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صلى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صلى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى معه قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صلى معه، فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقال: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لقد صَلَّيْتُ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتْ الْيَهُودُ قد أَعْجَبَهُمْ، إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ فلما وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، أَنْكَرُوا ذلك). (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان).

 

 

فهذا الحديث الشريف يظهر بعض متعلقات التوجه إلى القبلة الأولى والتحول عنها إلى الثانية، ومن ذلك أن بيت المقدس كان محط اهتمام ورعاية ربانية ونبوية منذ البدايات الأولى للديانة الإسلامية التي بعث بها النبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم، إلى العالمين، والله أخبر في قرآنه الكريم عن جوانب أخرى من تلك المتعلقات، فقال سبحانه عن بعضها: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 144).

 

 

فالرسول، صلى الله عليه وسلم، استقبل وصحابته بيت المقدس في صلاتهم، وكان يتطلع إلى أن تكون قبلته المسجد الحرام في مكة المكرمة، ثم كان له ما رغب، وقد أثار ذلك حفيظة المتربصين من سفهاء الناس، مصداقاً لقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة: 142)، فهل يعقل أن تكون القدس القبلة الأولى، ثم التحول عنها أمر قد تم دون هدف أو غاية مقصودة لرب العالمين، بالقطع محال ذلك عليه سبحانه، فربط صلاة المسلمين في عهد النشأة ببيت المقدس، ثم التحول إلى بيت الله الحرام في مكة، يعزز وشائج الصلة بين هذين المسجدين العظيمين، ويستثير همم المسلمين تجاه قضاياهما، وغفلة بعضهم عن هذه الحقيقة لا تلغيها.

 

 

فللمسجد الأقصى، أهمية تاريخية تضرب في أعماق تاريخ الكون، فهو ثاني المساجد وجوداً على وجه الأرض، وتتضافر مع هذا الجانب المميز في الأهمية جوانب أخرى كالإسراء بالرسول، صلى الله عليه وسلم، إليه من جنبات المسجد الحرام في مكة المكرمة، وهو قبلة المسلمين الأولى، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة، يؤمل أن يوفق الله لمتابعة الوقوف عند بعضها في الحلقة القادمة من زاوية الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

المصدر /  دار الإفتاء الفلسطينية