• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
02:14 ص - الثلاثاء 07 / ديسمبر / 2021

بقعة ضوء وسط بحر الظلمات الأميركي

بقعة ضوء وسط بحر الظلمات الأميركي
4صورة الكاتب

أكرم عطالله

بقلم: أكرم عطا الله 

 

لمن زار الولايات المتحدة مستكشفاً أو محاولاً الوصول الى حقائق صناعة السياسة في واشنطن لا بد وأن يعود حاملاً لأسئلة أكثر من تلك التي كانت قبل الزيارة، وألغاز أكثر استعصاء فهناك يمكن للزائر أن يرى شعباً أميركياً طيباً لا علاقة له بالسياسة ولا يعرف خارج حدود بلاده، كثير منهم لم يسمعوا عن فلسطين ولا عن اسرائيل ولا يعنيهم ما يحدث خارج بلدهم، شعب مبتسم دوماً هاديء وبعيد عن العنف.

 

التساؤل الذي يتبادر للذهن بالمقارنة بين هدوء الشعب الأميركي وتوحش السياسة الأميركية في الخارج هو من أين يأتي كل هذا العنف؟ وفي الفارق بين السلوك اليومي للبشر هناك وللممارسة السياسية الأميركية تجاه العالم هناك لغز كبير، إذ يصعب الربط بين المسألتين للوهلة الأولى.

 

القرار الأخير الذي أعلنه الرئيس الأميركي في خطاب السادس من ديسمبر الحالي يعيد وصم الولايات المتحدة بدعم الاحتلال ولا تفسير غير ذلك عندما يشد على يد دولة تعمل ليلا ونهارا لسرقة الأرض وبناء المستوطنات في مخالفة صارخة للقانون الدولي وأن يعطيها حق التصرف وممارسة جريمة الاستيطان في القدس التي يفترض أن بها عاصمة الفلسطينيين، فهذا خارج المنطق وخارج مصالح الولايات المتحدة التي تحاول تحسين صورتها وإذ بعواصم الكون تخرج مظاهرات ضدها.

 

لم تتعظ أميركا من هذه التظاهرات ولا منسوب الكراهية التي تجدد هذا الشهر بل عادت بكل العناد لاستخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار كان سيخدمها حتى ويخفف من وطأة الاحتقان لكن يبدو أن البيت الأبيض عزم أمره على معاندة الشعوب والواقع والتاريخ أو في محاولة يائسة تتسلح بالقوة لصناعة أو تزييف التاريخ وحقائقه التي تجسدت عبر الزمن.

 

الحقيقة أن القرار الأميركي محتكر من قبل مجموعات من لوبيات الضغط والمصالح والشركات ورجال الأعمال، كل ذلك يتجسد بنخبة بعيدة عن الرأي العام الأميركي غير المهتم بما يحدث خارج حدوده بل أن تلك المجموعات تسيطر على وسائل الاعلام وبذلك تتحكم بالثقافة التي تقدم للمواطن الأميركي وقد كُتب كثير من الكتب عن صناعة القرار هناك وكيف تقدم المشاريع في الكونجرس وكيف تقر القوانين التي يتعمد أصحاب المصالح تقديمها في أربعة آلاف صفحة حتى لا يقرأها أحد وكيف يمرر أصحاب المال قرارات الاعفاء الضريبي والبيع والمشتريات وشركات النفط والسلاح والحروب وكيف يتم استخدام الاعلام في خدمة هؤلاء وكيف تحكم مجموعات المصالح خصومها باستخدام الاعلام؟.

 

بشعبوية لا تليق بالأداء السياسي الهاديء حطم ترامب كل الأواني دفعة واحدة ليتسبب بكل هذه الشعارات والتظاهرات ضد أميركا التي تنشغل بتحسين صورتها لدى الشعوب.. هكذا بضربة واحدة أعاد تاريخ الكراهية الذي كان في خمسينيات وستينات وسبعينات القرن الماضي في ذروة الحرب الباردة عندما كان العالم منقسماً على صورة أميركا، نصفه التابع للاتحاد السوفيتي يعتبرها الدولة المعادية لحقوق الشعوب.. والآن بعد قرار ترامب توحد العالم وتبدو صورة أميركا في أسوأ مراحلها.

 

أميركا دولة قانون وهو الذي استطاع أن يجمع وينظم خمسين ولاية في دولة واحدة وكل لها قوانينها الخاصة، ولكن القوانين الخاصة يتم اقرارها في أعلى سلطة تشريعية وهي الكونجرس وتلك تصل حد القداسة، هذا الكونجرس الذي تسيطر عليه مجموعات المصالح هو الذي اتخذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في تسعينات القرن الماضي تزلفاً أو تقرباً، ومثله فعل الرئيس الذي جاء في لحظة فانتازيا انتخابية كانت تبحث عن الإثارة أكثر مما تبحث عن رجل في دولة المؤسسات، واذا كان الأميركيون يحترمون سلطتهم التشريعية الى حد كبير فنحن لسنا كذلك، فالكونجرس الذي انشغل بعد سنوات من قراره المشئوم بالبحث عن الحيوانات المنوية للرئيس كلينتون على فستان مونيكا لوينسكي متدربة البيت الأبيض لا يستحق الاحترام بالنسبة لنا.

 

ما بين انقسام العالم في النصف الثاني للقرن العشرين مع أو ضد الولايات المتحدة فإن أميركا الآن بعد اعلان ترامب قد تحولت بالإجماع الى دولة منبوذة تشهد عليها وسائل الإعلام والمقالات ومواقف رؤساء الدول والتظاهرات وحرق الأعلام وتصريحات نيكي هايلي الكريهة واستخدامها للفيتو في مجلس الأمن بكل هذا الانحياز الفاقع، اذ تبدو وحيدة كما تصويت أول أمس، العالم كله يتخذ موقفاً ويقف موحداً فيما أميركا وحدها في الطرف الآخر.

 

هذا لم يكن يوماً، فإن هناك اجماعاً كونياً على الحقوق الفلسطينية، وهذا مصدر الأمل وسط كل هذه العنجهية الأميركية التي تحاول فرض سطوتها في المؤسسات الدولية والخطاب الفلسطيني بدا أكثر قوة يتحدى البيت الأبيض، وتلك إهانة ومساس بهيبة الدولة الأقوى.. كيف أصبحت محل استخفاف وازدراء من قبل الفلسطينيين عديمي الإمكانيات والذين يعتمدون على المساعدات ومنها الأميركية، لأن ليس لديهم ما يخسرونه ولأن أميركا دفعتهم الى الزاوية وهي لديها ما تخسره، تلك هي المعادلة التي كانت حاضرة في السياسة الأميركية قبل أن تتحول الى حالة شعبوية مع الرئيس ترامب.

 

لم يكن العالم موحداً الى جانب الفلسطينيين كما اليوم.. ولم تكن الرواية الفلسطينية تحظى بمثل هذا التفهم والاجماع.. ولم تكن اسرائيل ومربيتها الولايات المتحدة يوماً أمام هذا القدر من الرفض والنبذ.. وبهذا القدر من الوضوح والانكشاف.. وليس مهماً ما تفعله اسرائيل ومن خلفها واشنطن لفرض حقائق.. لكن الأهم أن يبقى الشعب الفلسطيني هنا على أرضه مزاحماً ليقول التاريخ كلمته النهائية التي لم يقلها بعد،  الأهم أن يعرف الفلسطيني كيف يدير معركته في الداخل والخارج. إن أفضل ما صدر بعد التصويت على مشروع القرار المصري بمجلس الأمن كان من السفيرة الأميركية  نيكي هايلي التي قالت “إن ما حدث هو إهانة لن ننساها أبداً”.. هذا صحيح كل يوم تتلقى واشنطن إهانة جديدة.. هكذا أرادت بقرارها.. هكذا تتلقى..!!!