• دولار أمريكي 3.53
  • دينار أردني 4.98
  • يورو 4.15
  • جنيه مصري 0.19
03:29 ص - الأربعاء 13 / ديسمبر / 2017

في ذكرى المولد النبوي... الشيخ: نافذ عزام

في ذكرى المولد النبوي... الشيخ: نافذ عزام

اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالبناء الداخلي للأمة،  وأضفى قداسة على العلاقات بين المسلمين بحيث لم يعد المسلم مخيّراً بخصوص طبيعة سلوكه مع إخوانه وأبناء دينه.. فالمسألة تصبح جزءاً من الإيمان وسلامة المعتقد وهو ما ينعكس على طبيعة الدولة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم وعلى حياة الناس برمتها.

 

ومن الواضح أن اهتزاز منظومة العلاقات بين المسلمين يعد واحداً من أهم أسباب الانتكاسة التي تعيشها الأمة، وتحول بأسها إلى داخلها ونحن نظن أن معظم الأحاديث في هذا الجانب معروفة ومشهورة، لكن فقط على صعيد الوعظ النظري، والواقع هو الذي يؤكد بعد الأمة عن تطبيقها عملياً، يقول عليه الصلاة والسلام في واحد من هذه الاحاديث: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، أي أن الانسان مطالب أن يتألم فعلا وحقيقة لألم أخيه، وأن يتوجع لمأساة غيره، ودون ذلك لا معنى للإيمان مهما كانت الألقاب وهما كان الضجيج الذي نحيط به أنفسنا .. هذا مقياس لصحة الإيمان أن تكون الأمة بالضبط كالجسد إذا عانى جزء منها ،شعب أو طائفة تألم الجميع وانتفضوا لمساندة الموجوعين والمقهورين.. ويزيد النبي الأمر وضوحاً عندما يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربه فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». ونحن نسمع هذه الأحاديث ونعود إلى حياتنا وواقعنا نشعر بالصدمة والمسلم مأمور وفق هذا الدين بالسعي لإنصاف أخيه وتفريج كربته، وحماية حياته وأسرته.. المسلم منهي عن ظلم أخيه أو خذلانه، فما الذي يحصل الآن؟ نفعل تماماً عكس ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم ويتفنن المسلم في ظلم أخيه والتعدي على حياته، يجتهد المسلم في زرع العنت في طريق غيره، وحتى عندما يخطئ الإنسان، فبدلاً من الستر والتعامل بمنطق الحرص والرحمة، يكون التحريض والفضيحة والتربص والتقاط الأخطاء والقصور.. وفي حديث ثالث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشيك بين أصابعه .. هل عند حكامنا اليوم من يفعل ذلك؟

 

أم أننا نخذل بعضنا ونتلذذ بتجويع بعضنا ونستمتع بسيطرتنا على حياة بعضنا.. ماالذي يجري في كل أنحاء الأمة؟ إن حرمة المسلم جزء من منظومة هذا الدين، يمثل انتهاكها ومدعاة لغضب الله واستمراراً لهذا الشكل البائس للحياة.. إن حرمة المسلم تبداً من الشعور وما يسكن القلب كما يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، الأمر لا يتعلق فقط بالسلوك والأفعال والتصرفات، ولكنه يعالج حتى المشاعر وخلجات النفس.. لا يستقيم إيمان الفرد إلا إذا سكنه شعور الحب لاخوانه، والا إذا تمنى الخير لغيره تماماً كما تمناه لنفسه.. انه النموذج السماوي الذي تجسد فعلا في مكة والمدينة، ما أدى إلى التغيير الكبير في الكون كله.

 

والسؤال المر مرة أخرى، هل نحب الخير فعلا لإخواننا كما نحبه لأنفسنا هل تجتهد الدول والحكومات في طول الوطن الإسلامي وعرضه في التضامن والتآسي أم أن التدابر والقطيعة والعنف والتحريض هو الذي يوجه تلك الدول والحكومات بعد تصحيح الشعور أو تصويب وجهة القلب فينتقل الإسلام خطوة أخرى على طريق تعزيز التضامن والتلاحم فيقول عليه الصلاة والسلام « لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً لو على سبيل النظرة أو الموقف كما يوضح في حديث آخر « من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة» لا يحل أي لا يجوز أي أنه حرام على المسلم أن يخيف المسلمين وهذا التحذير ينطبق على كل أشكال التخويف ، تهديداً كان أو سجناً.. أو إجراءات تقيد الحركة أو عنفاً وقتلاً ..

 

هذا كله غير جائز وفيه مخالفة صارخة لهدي الإسلام وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم .. لقد بلغ حرص الإسلام على أمنه الفرد وحياته وحقوقه جداً مثالياً كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم» «من مر فى شيء من مساجدنا،  أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء» يشعر الإنسان بالاندهاش أمام هذا الحرص الكبير من النبي على أصحابه واخوانه وأبناء امته هو يخشى أن يخدش أحدهم بسلاح أخيه ولو عن غير قصد فكيف نفسر ما يجري اليوم في عواصم ومدن العرب والمسلمين وكيف نفهم هذا القتل العشوائي وهذا العنف الأمم حتى تنال شفاعته انت مطالب بالالتزام بكلامه وهديه كيف نجرؤ على طلب شفاعته ونحن نضع احاديثه هذه وراء ظهورنا ونتجبر على بعضنا ، نزل بعضنا الشمت ببعضنا والتلذذ بمعاناة بعضنا فيكف يستقيم هذا مع حديثنا عن الإسلام والنبي والجنة والنار « من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وان كان اخاه لابيه لإمه « مجرد الإشارة بالسلاح حتى لو كان حديدة صدئة يستجلب على الانسان لعنة الملائكة .. وهذا يعني غياب رحمة وغياب البركة وغياب السكينة وراحة البال اليس هذا هو ما يطبع حياتنا .. بدون ان نصلح شبكة العلاقات الداخلية بدون ان يشعر المسلم بالأمن وحرص أخيه على سلامته وحقوقه والتخفيف من آلامه بدون ذلك سيظل حديثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، حديثا بلا معنى !