• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:21 م - الخميس 08 / ديسمبر / 2022

أهم من عرين الأسود

أهم من عرين الأسود
4صورة الكاتب

حيان جابر

صنعت مجموعات عرين الأسود حالة وطنية شاملة لجميع التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، الأمر الذي استحقّ تحليل الظاهرة واستنباط دلالاتها وآثارها الإيجابية. يجمع غالبية المتابعين على أننا أمام ولادة جيل فلسطيني جديد، يعيد بناء الوطنية الفلسطينية وبرنامجها السياسي وحركتها التحرّرية الشاملة، على امتداد الوطن والشتات، وهو أمرٌ صحيح غالباً، لذا سوف تسلط المقالة الضوء على بعدٍ أكثر شموليةً، يعتبر "عرين الأسود" جزءاً محدّداً من ظاهرة أكثر أهمية.
شهدت أراض فلسطين في المرحلة التي أعقبت الانتفاضة الثانية مظاهر مقاومة فردية عديدة، منها عمليات الطعن والدهس، عبرت عن إصرار شعبي على استعادة جميع الحقوق الوطنية المستلبة، مهما كلف الأمر، لكن مظاهر المقاومة الفردية تلك لم تتحوّل إلى حالة نضالية عسكرية جماعية؛ كالتي نشهدها اليوم، نتيجة جملة من العوامل الداخلية، أبرزها المرجعية السياسية الفصائلية التي كانت سائدة نسبياً في تلك المرحلة، مقارنةً مع شبه اختفائها اليوم، وهناك أيضاً المرجعية العسكرية الفصائلية، التي راهن عليها الشارع الفلسطيني طويلاً، رغم الانقسام والصراع السلطوي بين حركتي فتح وحماس، وأخيراً وربما أهمها حيوية المقاومة الشعبية، التي زادت وتيرها وتصاعد تأثيرها أخيرا.
من الضروري فهم ظاهرة عرين الأسود على اعتبارها جزءاً من مقاومة شعبية أكبر وأهم، فالمقاومة الشعبية المتنوعة والمتشعبة التي سطرها الشارع الفلسطيني على امتداد الأشهر والسنوات الماضية؛ خصوصا الأعوام الثلاثة الماضية، قوّضت أهم المبادئ والأدوات الصهيونية الاستراتيجية، مثل مبدأ الجيش والمنظومة الأمنية التي لا تُقهر، ومبدأ التفوّق الصهيوني، واستراتيجية الحروب أو الضربات الاستباقية، واستراتيجية الاحتلال بالوكالة أو الوكيل الأمني، والحرب بين الحروب وغيرهم.

عرين الأسود من ظواهر المقاومة الشعبية الأوسع والأعم، واستمرارها بالاسم ذاته أو بأسماء وأماكن وهيئات أخرى مرهون حتماً باستمرار المقاومة الشعبية؛ لا العكس

أدّى نجاح المقاومة الشعبية في ذلك إلى نجاح آخر لا يقلّ أهمية ومحورية، يتمثل في قدرتها على إيجاد فضاء اجتماعي وأمني وسياسي فلسطيني خارج سيطرة الاحتلال، أتاح الفرصة أمام ظهور حالة/ حالات عسكرية جديدة، صنعها شبّان كتيبة جنين وعرين الأسود. بمعنى آخر؛ عرين الأسود من ظواهر المقاومة الشعبية الأوسع والأعم، واستمرارها بالاسم ذاته أو بأسماء وأماكن وهيئات أخرى مرهون حتماً باستمرار المقاومة الشعبية؛ لا العكس. وهذا يضعنا أمام تحدٍّ ذاتيٍ فلسطينيٍ خاص، يتطلب منا التمييز بين أولوية النضال العسكري من ناحية، وضرورته أو أهميته من ناحية ثانية، فهناك فرق كبير بينهما، فرق أهملته مجمل أو غالبية تجارب المقاومة الشعبية الفلسطينية وحركتها التحرّرية، عبر انتصارها لأولوية النضال العسكري، بل وأحاديته، بدلاً من التركيز على أهميته في سياق نضالي أوسع.
النكبة؛ بدايةً كانت نتاج جملة من العوامل منها تلك الذهنية، عندما أُهملَ النضال الشعبي لصالح النضال العسكري، الذي تمثل في انتظار الجيوش العربية، وإخلاء الساحة لها. سادت العقلية ذاتها في مرحلة ما بعد النكبة، التي راهنت على تحرير فلسطين واستعادة الحقوق الفلسطينية من خلال حربٍ عسكرية متعدّدة الجبهات، تبادر دول الطوق إليها.
وضعت مرحلة حركة التحرّر الوطني في الأردن ولبنان جميع الجهود في خدمة النضال العسكري فقط، حتى بات النضال العسكري غاية بحد ذاتها، بدلاً من كونه وسيلة تحرّرية. ثم انفجرت الانتفاضة الأولى ردّاً على عجز حركة التحرّر الوطني وغياب نضالها العسكري؛ بغض النظر الآن عن الأسباب. لكن الانتفاضة الأولى لم تقطع؛ رغم قيمتها الكبرى، مع ذهنية أولوية العمل العسكري وأحاديّته، الأمر الذي عكسه تمكّن حركة فتح من احتوائها والسيطرة عليها، ومن ثم تجييرها في سياق سياسي انهزامي، جسده اتفاق أوسلو.

 

توضح الحالة الفلسطينية الراهنة مركزية الوسائل النضالية غير العسكرية في بلورة النضال العسكري ذاته

خاض الشعب الفلسطيني، في الانتفاضة الثانية، تجربةً مشابهة أيضاً، إذ تراجع النضال الشعبي لصالح العمل العسكري الفصائلي، وكذلك حصل في الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على غزة، ولا سيما في عدوان العام 2021، الذي تبع هبّة كل فلسطين، التي انطلقت من حي الشيخ جرّاح لتعم معظم المدن الفلسطينية، إذ تراجع النضال الشعبي بعد دخول فصائل المقاومة في غزة على خط المواجهة، الأمر الذي يعكس الذهنية الفلسطينية السائدة التي تعتبر النضال الشعبي حالة مؤقتة وطارئة، نمارسها حين يغيب النضال العسكري أو يتراجع حضوره!
من هنا لا بد من العودة إلى الثنائية بين أولوية/ وحدانية النضال العسكري وأهميته. من ناحية نظرية، يفترض عدم الخوض كثيراً في شرح أهمية النضال المسلح فلسطينياً، بل وفي حالة الشعوب والدول المستعمِرة عموماً، سيما في حالة احتلال إقصائي إحلالي يمارس تطهيراً عرقياً وتطهيراً إثنياً بحق شعب الأرض الأصلي، كما يحدُث في فلسطين. لكن أهمية هذا النوع من النضال لا تعني أحاديته أو حتى هيمنته على سائر الوسائل النضالية الأخرى، وهنا الأزمة المتكرّرة فلسطينياً.
توضح الحالة الفلسطينية الراهنة مركزية الوسائل النضالية غير العسكرية في بلورة النضال العسكري ذاته، فهي ترهق منظومة الاحتلال الأمنية، وتفرض عليها معارك متعددة ومتنوعة لا تتوافق مع بنية الاحتلال العسكرية والأمنية وإمكاناته، الأمر الذي يُضعف قدرته الأمنية، ويمنح المجموعات النضالية العسكرية حيزاً أوسع للحركة والتطوّر والمشاركة، بل ويحميها أيضاً.

النضال الشعبي ضرورة لا بديل عنه، نشأ نضال عسكري مواز أم لم ينشأ، سواء حافظ الأخير على فاعليته أم تراجع مؤقتاً بفعل الضربات الأمنية

من هنا، نلحظ تبلور تجربة "عرين الأسود" بعد تصاعد النضال الشعبي الفلسطيني، في حين لم تتحوّل العمليات الفردية العسكرية أو العنيفة، في ظل تراجع المقاومة الشعبية، إلى ظاهرة جماعية واضحة المعالم، رغم دلالاتها الكبرى وتأثيرها على إيجاد مقاومة شعبية شاسعة اليوم.
فلسطينياً؛ النضال الشعبي ضرورة لا بديل عنه، نشأ نضال عسكري مواز أم لم ينشأ، سواء حافظ الأخير على فاعليته أم تراجع مؤقتاً بفعل الضربات الأمنية، نظراً إلى قدرة المقاومة الشعبية على الحشد، وفتح جبهات متعدّدة جغرافياً، من الأراضي المحتلة عام 1948، مروراً بمدن الضفة المختلفة التي جعلتها الحواجز والمستوطنات وجدار الفصل العنصري جزراً منفصلةً، وصولاً إلى القدس، وربما غزة أيضاً، فضلاً عن معارك خارج فلسطين، في الساحة العالمية الشاسعة.
كذلك نظراً إلى تنوع النضال الشعبي بين الساحة الإعلامية التقليدية منها والمعاصرة، التي صنعتها التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي ذات التأثير الكبير والنوعي، بالإضافة إلى المستوى القانوني والحقوقي والاجتماعي والسياسي، بما فيها حركة المقاطعة، وصولاً إلى الصمود الشعبي أمام الحملات الاستيطانية وحملات التهجير والترحيل القسري، وحملات هدم المنازل والحصار الاقتصادي، وغيرها الكثير من الوسائل النضالية المتبعة داخل فلسطين وخارجها.
من ذلك كله، لا بد من التأكيد على أهمية النضال العسكري من دون الانجرار خلف المشاعر الجارفة التي تجعل من أهميته أولوية قصوى ووحيدة، فالمقاومة الشعبية هي القلب النابض الذي يضخّ الدماء في مجمل شعب فلسطين ومقاومته المنظمة والفردية، السلمية والعنيفة.