• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
07:25 م - الخميس 08 / ديسمبر / 2022

إسرائيل والاحتيال على البديهيات

إسرائيل والاحتيال على البديهيات
4صورة الكاتب

مصطفى البرغوثي

منذ نشأت الحركة الصهيونية، وبدأت غزوها فلسطين، وهي تمارس ما تمكن تسميته "الاحتيال على البديهيات والحقائق". بدأ الاحتيال الأول بالادعاء أن فلسطين "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن". وكان الثاني ادّعاء أن إسرائيل قبلت مشروع التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، في حين رفضه الفلسطينيون، مع أن المؤرّخ الإسرائيلي والباحث في جامعة أكسفورد، آفي شلايم، أثبت زيف هذا الأمر، وعدم وجود أي وثيقة تثبت قبول إسرائيل والحركة الصهيونية مشروع التقسيم. والاحتيال الثالث إيهام العالم بقبول إسرائيل قرار الجمعية العامة رقم 194 الذي نص على عودة اللاجئين إلى ديارهم، شرطا لاعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل. الاحتيال الرابع ادّعاء إسرائيل أنها انتصرت بجيشها الوحيد على خمسة جيوش عربية عام 1948، في إيحاء بأنّ انتصارها كان تكراراً لأسطورة داود الصغير الذي انتصر على جوليات العملاق، مع أن الوقائع تثبت أن مجموع الجيوش التي حاربت إسرائيل مع المقاتلين الفلسطينيين لم يتجاوز 11 ألفاً في بداية الحرب مقابل 60 ألف جندي إسرائيلي، وفي ذروة المعارك لم يتجاوز عدد المقاتلين العرب 22 ألفاً مقابل 121 ألف جندي إسرائيلي. الاحتيال الخامس ادّعاء إسرائيل أنّها من تعرّض للعدوان عام 1967 لتبرير هجومها على ثلاث دول عربية واحتلال أراضيها، بما في ذلك ما تبقى من فلسطين.

غير أنّ الاحتيال الأكبر على العالم بأسره كان ادّعاء أنّ إسرائيل هي الضحية المعتدى عليها، رغم أنّها من بدأ ما لا يقل عن 15 حرباً على الفلسطينيين وجيرانهم من الدول العربية. وفي السياق ذاته، الادّعاء بأنّها ضحية، وهي تمارس الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ونظام الأبارتهايد العنصري الأسوأ في تاريخ البشرية.

 

ترافقت عمليات الاحتيال التاريخية مع احتيالات استراتيجية كثيرة في إدارة القمع ضد الفلسطينيين، وأبرزها اتفاق أوسلو، الذي قُدم للعالم اتفاق سلام، مع أنّه لم يكن سوى وسيلة لامتصاص نتائج الانتفاضة الفلسطينية، وغطاء، تنكّرت له الحكومات الإسرائيلية، لتكريس استمرار الاحتلال، ولكسب الوقت، بهدف استكمال ضم الضفة الغربية وتهويدها.

لم يكن اتفاق أوسلو سوى وسيلة لامتصاص نتائج الانتفاضة الفلسطينية

ويقودنا ذلك كله إلى ما تمارسه إسرائيل اليوم من احتيال بادّعاء وجود سلطة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية، ويجب أن تتحمّل مسؤولية الأمن فيها، والسيطرة على المقاومة ضد الاحتلال، واعتقال المقاومين ومحاسبتهم، ويكرّر داعمو إسرائيل الأميركيون والأوروبيون هذه المقولات، مصوّرين الوضع المتفجر خلافا أو نزاعا بين طرفين متكافئين في المسؤولية والقدرات. وخطورة هذا النهج أنه يلقي بالمسؤولية عن ما يقوم به جيش الاحتلال من قتل للفلسطينيين، وتفجير للوضع، على عاتق الفلسطينيين أنفسهم.

يكرّر هذا النهج الممارسة الإسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية عندما روّجت إسرائيل بمساعدة إدارة بوش ادّعاء أن ما يجري في الأراضي المحتلة حربٌ بين جيشين، وليس صداماً بين قوة الاحتلال المدجّج بالسلاح ومقاوميه.

ورغم أن الجيش الاسرائيلي أعاد احتلال الضفة الغربية بكاملها عام 2002، ودمّر بنيتها التحتية، بما في ذلك بنية السلطة وأجهزتها الأمنية، ومؤسّساتها الإعلامية والثقافية، ثم حاول الأميركيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بعد إحالة آلاف من ضباطها على التقاعد، وخصوصا من سبق وشارك في مقاومة الاحتلال، فإن الاحتلال الذي فشل في تصفية المقاومة الفلسطينية يعود اليوم إلى معزوفة مقولاته الممجوجة منذ عشرين عاماً، بالادّعاء أنّ من واجب السلطة السيطرة على المقاومين ضد الاحتلال، واعتقالهم، ثم يفسّر فشله هو (الاحتلال) في وقف المقاومة بأنّه يعود إلى ضعف السلطة وأجهزتها.

 تتعمّد إسرائيل إهانة السلطة الفلسطينية مع كل اجتياح، كما تتعمّد إضعافها بقرصنة جزء كبير من أموال الضرائب التي تجمع من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لصالح السلطة

ولفت نظري، خلال مقابلة مع قناة الجزيرة الأسبوع الماضي، شارك فيها مسؤول سابق في الخارجية الأميركية، أنّه كرّر رواية الاحتلال الإسرائيلية التي سبق واستخدمت خلال الانتفاضة الثانية، وكأن ذلك يثبت مقولة إن "التاريخ يكرّر نفسه مرّتين، مرّة على شكل مأساة، ومرّة ثانية بشكل مهزلة"، وتجاهل الاحتلال الإسرائيلي، بل حاول إخفاء عدة حقائق ومنها:

أولاً، أنّ السلطة الفلسطينية مسؤولة أمنياً حسب اتفاق أوسلو عن 18% فقط من أراضي الضفة الغربية، تمثل المدن الفلسطينية معظمها، وقد فقدت السيطرة الحقيقية عليها منذ اجتاحها شارون بدباباته عام 2002.

ثانياً، أنّ هذه المناطق (18%) مقطّعة الأوصال، ولا تواصل بينها من دون المرور بالحواجز العسكرية الإسرائيلية، ومن دون إذن إسرائيلي.

ثالثاً، أنّ الجيش الاسرائيلي يجتاح بقواته يومياً هذه المناطق التي يُفترض أنها تحت سيطرة السلطة أمنياً، بما في ذلك جنين ونابلس والخليل وبيت لحم وأريحا وطولكرم، ورام الله مقر السلطة الفلسطينية، ويفرض على قوى الأمن الفلسطينية الاختفاء كلما دخل ذلك الجيش مناطق في تلك المدن.

رابعاً، أنّ 82% من مساحة الضفة الغربية، حسب اتفاق أوسلو الانتقالي الذي أصبح دائما، تخضع على مدار الساعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ولا تستطيع أجهزة السلطة الدخول اليها، ولا تملك أي سيطرة عليها.

خامساً، أنّ إسرائيل تتعمّد إهانة السلطة الفلسطينية مع كل اجتياح، كما تتعمّد إضعافها بقرصنة جزء كبير من أموال الضرائب التي تجمع من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لصالح السلطة.

سادساً، أنّ جيش الاحتلال الذي يستخدم الدبابات والمدرعات وأحدث الطائرات الحربية، والمسيَرات، وأكثر أجهزة التجسس الإلكترونية تطوّراً، فشل في قمع المقاومة، ويريد من السلطة الفلسطينية أن تصطدم بها، وأن تسيطر عليها بأسلحتها الخفيفة.

لا يستهدف الاحتلال المقاومين الفلسطينيين فقط، بل كلّ من هو فلسطيني، أيّاً كان مكانه ومهما كان عمله

ليس الإسرائيليون أغبياء، ليعتقدوا أن ما فشل جيشهم في تحقيقه بسبب بسالة المقاومين الفلسطينيين، وعمق الإحساس الشعبي بظلم الاحتلال وقمعه، يمكن لأجهزة السلطة أن تحقّقه مع كل نقاط ضعفها التي ذكرناها، لكن هدفه الحقيقي إثارة الخلافات والنعرات والصراعات بين الفلسطينيين، على أمل أن يجرّهم ذلك إلى اقتتال داخلي يضعفهم جميعاً، ويسهّل لجيش الاحتلال السيطرة عليهم. والمدخل الذي يواصل الاحتلال الاستثمار فيه هو ما سمّي "التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال"، وهو مفهوم يخلط الاسرائيليون عمداً بينه وبين التنسيق المدني لاحتياجات السكّان المحكومين بالاحتلال.

عقيدة التنسيق الأمني كانت خاطئة من أساسها عندما وُقع اتفاق أوسلو، لأنها افترضت "أن على من هم تحت الاحتلال توفير الأمن للجيش والدولة التي تحتلهم، من دون أن يكونوا قادرين على حماية شعبهم وأنفسهم من الاحتلال نفسه". ولإفشال خديعة الاحتلال واحتياله، لا بد من إلغاء العقيدة المذكورة والتنسيق الأمني، والعمل على إنهاء الانقسام وبناء وحدة وطنية بين مكوّنات الشعب الفلسطيني على أساس برنامج كفاحي لمقاومة الاحتلال، بالاستناد إلى الوعي الجمعي، بأنّ الاحتلال لا يستهدف المقاومين الفلسطينيين فقط، بل كل من هو فلسطيني، أيّاً كان مكانه ومهما كان عمله.