• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:13 ص - الأحد 02 / أكتوبر / 2022

إسرائيل تستعد للتنقيب عن الغاز.. هل يخسر لبنان أوراقه التفاوضية في ترسيم الحدود البحرية؟

إسرائيل تستعد للتنقيب عن الغاز.. هل يخسر لبنان أوراقه التفاوضية في ترسيم الحدود البحرية؟

على مسافة المنطقة البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، برز تطور كبير باستقدام الأخيرة سفينة يونانية لوحدة إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه "إنرجان" إلى حقل كاريش، التي يفترض تشغيلها للتنقيب عن الغاز الأشهر الثلاثة المقبلة.

وسريعا، توالت المواقف اللبنانية المنددة بخطوة تل أبيب واصفة إياها بالاستفزازية التي تهدد مستقبل المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود، وتعديا على ثروة لبنان الغازية والنفطية.

وعبر عن ذلك بيان مشترك بين رئيسي الجهورية ميشال عون والحكومة نجيب ميقاتي، توافقا على دعوة الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين، للحضور إلى بيروت للبحث باستكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية الجنوبية والعمل على إنهائها في أسرع وقت، واعتبرا أن أي أعمال استكشاف أو تنقيب أو استخراج تقوم بها إسرائيل بالمناطق المتنازع عليها تشكل عملا عدوانيا يهدد السلم والأمن الدوليين، وتعرقل التفاوض حول الحدود البحرية.

اللبنانيون.. إجماع وتشتت

ومقابل إجماع اللبنانيين على رفض خطوة إسرائيل، يرى خبراء أن الأخيرة تملك أوراق قوةٍ تتجاوز استنادها لدعم واشنطن مستفيدة من تشتت الموقف في بيروت، والفارق بين ما أودعته رسميا لدى الأمم المتحدة لجهة اعتبار أن المنطقة المتنازع عليها تبلغ 860 كلم 2، وبين مطالب غير رسمية تستند إلى خرائط الجيش اللبناني التي تعطي البلد الحق بـ 1430 كلم إضافية، وتعتبر أن المساحة المتنازع عليها تتضمن حقل كاريش حتى الخط 29 بوصفه منطقة ضمن المساحة اللبنانية، وتبلغ 2290 كلم مربع.

 

وتعالت أصوات نواب يطالبون الحكومة ورئيس الجمهورية بالتوقيع على تعديل المرسوم 6433 واعتماد الخط 29 بدل الخط 23. وأعلن العميد بسام ياسين رئيس الوفد اللبناني التقني العسكري المفاوض أن "تمسك لبنان بالخط 29 بدل الخط 23 يضمن حقوقه بحقل كاريش النفطي كحقل متنازع عليه رسميا".

معطى آخر لا يقل أهمية، هو موقف حزب الله الذي تترقبه الأطراف المعنية بالأزمة، رغم إعلان أمينه العام حسن نصر الله الوقوف خلف موقف الدولة الرسمي بملف ترسيم الحدود قبل التحرك سياسيا أو ربما ميدانيا.

التجاذبات الداخلية وصلت حد توجيه اتهامات للرئيس عون برفض التوقيع على تعديل الخط الذي يطالب لبنان بالتفاوض عليه لتثبيت حقوقه لتشمل حقل كاريش (رويترز)

سيناريوهات مفتوحة

يعتبر الباحث والكاتب السياسي أمين قمورية أن البيان لا يعكس جرأة بموقف موحد حول تحديد ما هو حق مكتسب للبنان "الأمر الذي تستفيد منه إسرائيل التي تعمل باعتبار أنها تتحرك بحقل ليس ضمن المنطقة المتنازع عليها".

 

وقال قمورية إن لبنان الرسمي مع قدوم هوكشتاين، سيكون أمام سيناريوهات عدة:

  • عودة المطالبة بالخط 29 وتعديل المرسوم، مما قد ينسف المفاوضات في ظل رفض إسرائيل التنازل عن حقل كاريش مدعومة بموقف واشنطن.
  • سعي لبنان الرسمي لاستقدام عرض آخر لا يذهب إلى الخط 29 ولا يبقيه عند الخط 23، خصوصا بعد اتهام السلطات داخليا بالتفريط بالثروة البحرية.
  • إما إبقاء المرسوم كما هو واستئناف التفاوض على خط 23، مقابل حصول لبنان على تقديمات أخرى في ظل ربط مصير ترسيم الحدود بملفات عالقة للبنان، بدءا من مصير العقوبات الأميركية على كيانات وشخصيات لبنانية وصولا لمصير مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي.
 

موجز الصراع

تاريخيا، يعاني لبنان منذ نشأته على مستوى ترسيم حدوده برًا وبحرًا. لكن حالة عدائه مع إسرائيل عمقت أزمة ترسيم حدوده البحرية مع فلسطين المحتلة، فأضحى صراعا على ثروة غازية ونفطية لم يستفد لبنان منها يوما.

وأول ملامحها، بدأت عام 2002 حين كلفت حكومة لبنان مركزا بريطانيا لإعداد دراسة حول كيفية ترسيم حدود المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتاليا المسح جيولوجيا عن النفط والغاز بهذه المنطقة قبل أن يصطدم بعدم توفر خرائط بحرية دقيقة للمنطقة الفاصلة بين جنوب لبنان وشمالي فلسطين المحتلة.

 

وعام 2009، حددت حكومة رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الحدود بالخط 23، ثم ثبتت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2011 النقطة كحق للبنان لدى الأمم المتحدة، وقدرت بـ 860 كلم 2 عبر مرسوم يحمل رقم 6433.

ولأول مرة، انطلقت مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برأس الناقورة في أكتوبر/تشرين الأول 2020، برعاية الأمم المتحدة وبوساطة أميركية، واستمرت 5 جولات حتى مايو/أيار 2021، وأهم أسباب تعليقها إبراز الجانب اللبناني خرائط جديدة لإثبات حق لبنان حتى الخط 29 التي تتضمن حقل كاريش كمنطقة متنازع عليها، وهي غنية بالنفط والغاز.

وفي أبريل/نيسان 2021، رفض الرئيس عون توقيع مرسوم يزيد من المساحة التي يطالب بها لبنان، بعد إحالته من رئيس الحكومة السابق حسان دياب خلال فترة تصريف الأعمال، واعتبرت أطراف سياسية أن فريق عون السياسي يسعى لاستخدام ترسيم الحدود ورقة مقايضة مع واشنطن.

 

خيارات حزب الله

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي وسيم بزي (مقرب من حزب الله) أن خطوة إسرائيل ليست مفاجئة، ويدرجها بالمسار الزمني لحركة دخول شركة "إنرجان" اليونانية بالشراكة مع "هاليبرتون" بالعمل بالحقول الشمالية الفلسطينية المحتلة.

 

ويتهم بزي إسرائيل بالتواطؤ مع واشنطن لدفع لبنان نحو تقديم تنازلات، لأن عرض الوسيط هوكشتاين الذي قدم للرؤساء الثلاثة في مارس/آذار الفائت أعطى حقل كاريش كاملا لإسرائيل، واقتطع 20% من حقل قانا الذي يفترض بموجب الخط المتعرج أن يكون للبنان كاملا.

ويؤكد الكاتب أن موقف حزب الله غير مرتبط بالخط 29، بل بموقف الدولة كمحرك أساسي للملف.

ويوضح بزي "لن يأخذ حزب الله أي موقف تجاه إسرائيل دون غطاء رسمي وشعبي".

 

ويذكر أن نصر الله شدد بخطابته الأخير على أهمية ثروة الغاز والمخاطر التي تحيطها من أطماع إسرائيل. وتاليا "أي تحرك عسكري لحمايتها من قبل حزب الله يتطلب غطاء رسميا وحكوميا".

ويقول المحلل السياسي إن حزب الله الأشهر الثلاثة المقبلة يترقب مسائل عدة بالملف أبرزها:

  • توحيد الموقف الرسمي والشعبي بمسألة تحديد المنطقة المتنازع عليها وإيداعه لدى الأمم المتحدة.
  • الإقرار الرسمي بضرورة حماية الثروة الوطنية سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا.
  • الإقرار بأن سلاح المقاومة عنصر لدعم الدولة بخيارها.

ويدعو بزي لضرورة رمي لبنان الكرة بملعب واشنطن والأمم المتحدة "لأننا أمام مرحلة مضطربة يترقبها حزب الله وستؤول إلى الحلول المفاجئة، وإما لتصعيد أمني كبير، وسيكون الحزب المعني الأول به".

في حين يرى قمورية أن حزب الله أكثر المحرجين داخليا، لأن سلاحه سيتقدم على قائمة السجال باعتبار أنه لم يكن رادعا لحماية الثروات البحرية، بل تقدمت إسرائيل مقابل تراجع لبنان.

Hezbollah Political Party Rally Ahead Of Lebanon's Elections
نصر الله أعلن التزام حزبه بموقف الدولة وسط توقعات لا تستبعد انزلاق التوتر الحالي لمواجهة عسكرية بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

خيارات واشنطن

يجد الكاتب اللبناني والباحث بمركز كارنيغي مهند الحاج علي أن إسرائيل استغلت ثغرة ربط المسؤولين اللبنانيين القضايا ببعضها، فباشرت بعمليات التنقيب، إذ لا يحق للبنان رسميا أمام الأمم المتحدة الاعتراض، لأنه لم يثبت حقه بالخط 29، ويصعب التجاوب الدولي معه، مما يضعف أيضا قدرة حزب الله على المواجهة العسكرية مع تل أبيب، بغياب الوثيقة القانونية التي تثبت اعتداءها.

 

ويرى علي أن التفاوض الأساسي للبنان مع الوسيط الأميركي يعطي أولوية لتحالفه الإستراتيجي مع إسرائيل، مقابل فرض عقوبات على أطراف سياسية لبنانية معنية مباشرة بالملف، أبرزها جبران باسيل و"بعضها لديه مصلحة برفعها ولو كلف تقديم التنازلات لإسرائيل".

ويتوقع أن تقارب واشنطن الملف عبر وسيطها بسيناريوهات عدة:

  • مراعاة وضع الائتلاف الإسرائيلي المهدد بالتداعي وعدم إغفال مصالحه بحسابات التصعيد أو التهدئة مع لبنان.
  • ربط استمرار المفاوضات بعدم مطالبة لبنان بالخط 29، مرجحا أن يحمل وسيطها عرضا إسرائيليا جديدا، نزعا لفتيل التوتر.
  • استشراف موقف لبنان الرسمي عبر وسيطها، والدفع لعدم المطالبة بالخط 29، مقابل التأسيس لعملية تفاوضية جديدة تراعي مصلحة تل أبيب أولا.
  • سعي الإدارة الأميركية إنجاز المفاوضات لصالح اسرائيل بصورة كاملة على حساب لبنان، لتسجيله ولو كانتصار صغير بالسياسة الخارجية.

ويرى الكاتب أن إدارة الرئيس جو بايدن فقيرة بإنجازاتها الخارجية، باستثناء الدعم الحالي الذي تقدمه لأوكرانيا ضد روسيا، ولكنه لم تحقق على الصعيد الدبلوماسي ما حققته الإدارة السابقة. وذكر أن انسداد سبل العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران يؤثر أيضا على الواقع اللبناني ويفاقم التوتر. ويدعو لترقب موقف طهران غير المباشر من التطورات بين لبنان وإسرائيل، سواء لجهة إبداء رغبتها بإبقاء الوضع على ما هو عليه، أو الاستفادة منه بالتصعيد ضد واشنطن ومن خلفها إسرائيل عبر حزب الله.

 

وقال إن تصريح الجانب الإسرائيلي بعدم الرغبة في الحرب مستندا لدعم الوسيط الأميركي، يقابله التمسك المطلق بحقل كاريش، مما يحرج لبنان.