• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
08:04 م - الإثنين 03 / أكتوبر / 2022

البلدة القديمة بالقدس..استيطان وتهويد ومحو للتاريخ

البلدة القديمة بالقدس..استيطان وتهويد ومحو للتاريخ

لا ينتظر المقدسيون حلول الخامس عشر من شهر مايو/أيار كل عام لإحياء ذكرى النكبة لأنها لا تفارقهم، إذ تضيق فسحة عيشهم بالمدينة مع تصاعد الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتهجيرهم منها وحصرهم في تجمعات قليلة مشتتة جغرافيا.

ولا يكاد يختلف نهاية عام في مدينة القدس عن بدايته، فيستقبل المقدسيون مطلعه بنبأ استشهاد أحد أبنائها، ويودعوه بهدم منزل أو ومصادرة بيت.

في حوار مطول، مع رئيس قسم الأبحاث والمعلومات في مؤسسة القدس الدولية هشام يعقوب حول الهجمة الشرسة التي تستهدف مدينة القدس وتهويدها وتفريغها من أهلها، لمصلحة المشاريع الاستيطانية.

يقول "يعقوب"،" أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها عام 1948 جملة قوانين غير شرعية أسهمت في بعضها في إطلاق يد الاحتلال للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وبيوتهم وممتلكاتهم، وخاصة في القدس".

ويتابع "ومن هذه القوانين قانون أملاك الغائبين عام 1950، وقانون أساس أراضي إسرائيل عام1960، وقانون التخطيط والبناء عام 1965، وقانون ضم الشطر الشرقي من القدس إلى الغربي عام 1967، وقانون الاستيطان الزراعي عام 1967، وقانون تكريس القدس عاصمة للاحتلال عام 1980، وقانون تشريع المستوطنات عام 2017".

ويضاف إلى ذلك المخططات الهيكلية التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي وهي من أخطر أدواته، وأبرزها للاستيلاء على بيوت المقدسيين وممتلكاتهم وأراضيهم.

وأشار، إلى أن الكنيست الإسرائيلية أقرت قانون أملاك الغائبين عام 1950، بهدف تشريع سرقة ‏الأراضي والممتلكات الفلسطينية التي هُجرِّوا منها بين عامي 1947 و1948.

ويتابع "تعامل هذا القانون الجائر مع أصحاب هذه الأراضي والممتلكات على أنهم غائبون، وعلى هذا شرَّع لسلطات الاحتلال مصادرتها، متجاهلًا أنَّ جرائم العصابات هي التي تسببت بنزوح الفلسطينيين عنها".

ويعد هذا القانون من أنجع الطرق لدى الاحتلال للسيطرة على بيوت الفلسطينيين وممتلكاتهم، وأغرب ما فيه أنه يصنف أصحاب هذه الممتلكات بأنهم غائبون على الرغم من وجود بعضهم اليوم على بعد أمتار من ممتلكاتهم التي نُهبَت بفعل هذا القانون.

البلدة القديمة

السياسة الإسرائيلية في تهويد القدس، بدأت عام 1967م مباشرة بهدم حارة الشرف وحي المغاربة بالقدس لتوسيع وبناء الحي اليهودي الجديد بتاريخ 1968م، ثم مصادرة 116 دونماً بموجب قرار أصدرته سلطات الاحتلال.

ويوضح "يعقوب" "أن الاحتلال الإسرائيلي يعتمد على ثلاثة مسارات لتهويد البلدة القديمة في القدس أولها تهويد معالمها العربية والإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى المبارك".

ويؤكد أن المسار الثاني هو "التضييق على سكانها وتنفيذ سياسات اقتصادية وأمنية تؤدي إلى إغلاق محالهم التجارية، ومنع البناء والترميم إلا نادرًا، لدفعهم إلى النزوح منها إلى المناطق الفلسطينية الأخرى.

وتسعى سلطات الاحتلال لتعزيز حضور المستوطنين في البلدة القديمة، ولا سيما فيما يسمى "الحي اليهودي"، وزيادة البؤر الاستيطانية في أحياء البلدة القديمة. وهو المسار الثالث وفق "يعقوب".

ويستهدف الاحتلال جميع أحياء البلدة القديمة، ولكنَّ الحيّ الإسلامي وهو أكبر أحياء البلدة يعد الأكثر استهدافًا لأنه حاضنة المسجد الأقصى، ويسكنه قرابة 22,000 نسمة.

استهداف الحجر والبشر

عصفت النكبة بمدينة القدس حين احتلت عام 1948، وذلك قبل أن يقع المسجد الأقصى المبارك بيد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ووضعت سلطات الاحتلال مخططات كثيرة تستهدف البلدة القديمة والبشر والحجر.

ويؤكد ضيفنا "أن الاحتلال سيواصل سياساته الضاغطة على سكان البلدة القديمة ليهاجروا منها، أو يبقوا فيها بلا مقومات صمود بعد ضرب ركائز اقتصادهم وتجارتهم وحركتهم وحياتهم الاجتماعية".

ويردف " أن بناء المشاريع التهويدية الضخمة التي تهدف إلى تغيير وجه البلدة العربي الإسلامي ليصبح عبريًّا لتشويه الفضاء العمراني العربي والإسلامي للبلدة القديمة، ولاستجلاب أكبر عدد من المستوطنين إليها، إضافة إلى ذلك الحفريات والأنفاق التي تنتشر فوق الأرض وتحتها".

ومن أهم المشاريع الاستيطاني التي أصبحت أمراً واقعا في البلدة القديمة، مشروع "بيت هليبا" غرب المسجد الأقصى، ومشروع "بيت شتراوس" على بعد أمتار قليلة من سور الأقصى الغربي، وبناء الكُنس اليهودية، ومشروع القطار الهوائي "التلفريك" الذي يخطط الاحتلال لبنائه في محيط البلدة القديمة.

وتهدف سلطات الاحتلال أيضاً إلى بناء مدينة إسرائيلية كاملة موازية للبلدة القديمة ومحيطها في أسفلها وحولها.

وبموازاة التطهير العرقي للفلسطينيين دأبت سلطات الاحتلال على زيادة أعداد المستوطنين في البلدة القديمة فيسكن 2800 مستوطن من أصل 38000 إنسان يعيشون فيها، غالبيتهم العظمى مسلمون. ويوضح "يعقوب" إلى أن تقرير أصدرته منظمتا "عير عميم" و"السلام الآن" الإسرائيليتان، كشف عن ارتفاع عدد المستوطنين اليهود في البلدة القديمة بنسبة 70% من عام 2009 إلى عام 2016.

ويردف "أن الاحتلال يسعى إلى زيادة هؤلاء المستوطنين في القدس عبر استقدام أشرس المستوطنين وأكثرهم تطرفًا ليسكنوا في البلدة القديمة، ويصبوا حقدهم وإجرامهم على الفلسطينيين في البلدة بهدف طردهم".

إضافة إلى تحويل البلدة القديمة إلى مكان طارد للفلسطينيين، بسبب سياسات الإفقار، والإغلاق، والضرائب، والتضييق المختلفة، وبناء المراكز التهويدية التي تستوعب أنشطة المستوطنين، وتشويه البلدة فوق الأرض وتحتها لتحاكي الطراز اليهودي الاستيطاني. وفق "يعقوب

ويعمل الاحتلال على توفير البنى التحتية التي تضمن استقدام أكبر عدد ممكن من المستوطنين، ولا سيما عبر القطار الخفيف، أو القطار الهوائي "التلفريك" المقرر بناؤه، أو الأنفاق الموصلة إلى منطقة المسجد الأقصى.

لائحة التراث العالمي

عام 1981 اعتمدت منظمة اليونسكو البلدة القديمة في القدس وأسوارها ضمن لائحة التراث العالمي، وفي عام 1982 أدرجت المنظمة تراث القدس القديمة على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، وعلى الرغم من ذلك لم تكن المنظمة وقراراتها المهمة قادرة على توفير الحماية للبلدة القديمة.

ويرجع "يعقوب" ذلك "لأنَّ المنظمات الدولية تكتفي بتوصيف الأمور التي تبين خطورة الاحتلال وسياساته على البلدة القديمة في القدس، ولكنها لا تمتلك أدوات تنفيذية تستطيع إلزام الاحتلال بقراراتها، فضلًا عن أن الغطاء الدولي المتوافر للاحتلال يمنع اتخاذ إجراءات عقابية مؤثرة ضده".

ويحذر من أن البلدة القديمة في القدس ليست وحدها محلّ استهداف؛ فثمة أحياء كثيرة أخرى يضعها الاحتلال نصب عينيه ساعيًا إلى تهجيرها أو تنفيذ مشاريع استيطانية تهويدية فيها، أو الاستيلاء على بيوت سكانها الفلسطينيين".

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى السيطرة على وسط مدينة القدس ذي الأغلبية السكانية الفلسطينية، ويُطلق الاحتلال على وسط القدس اسم "الحوض المقدس" الذي يسعى إلى إيجاده بثوب توراتي على أنقاض بيوت المقدسيين وعلى حساب عقاراتهم.

وبهذه الروح المتهاوية، وبعجز مواجهة إسرائيل، سيستمر تهويد القدس وبدون أدنى اكتراث بمؤتمرات العرب وتصريحاتهم، ولن يستطيع المطبعون زيارة القدس إلا بتصريح إسرائيلي، والصلاة فيها تحت حراب إسرائيل. وعليهم أن يبحثوا عن فتوى فيما إذا كانت الركعة في الأقصى بإذن العدو تساوي خمسمائة ركعة.