• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
09:21 ص - الأحد 24 / أكتوبر / 2021

28 عاماً على "أوسلو"... هل من أفق؟

28 عاماً على

قبل 28 عاماً، وفي 13 من سبتمبر/ أيلول عام 1993، وقّعت منظمة التحرير اتفاقية أوسلو مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد سلسلة من المحادثات التي أنتجت هذا الاتفاق. 

وجاء الاتفاق بعد مفاوضات انبثقت بعد مؤتمر مدريد 1991، واستضافها معهد فافو، وانتهت في 20 أغسطس/ آب 1993، وقد تم التوقيع على الاتفاق في حفل رسمي في حديقة البيت الأبيض في واشنطن.

وبعد أكثر من ربع قرن، على تلك الاتفاقية، ما زالت الوقائع على الأرض، تؤشر بوضوح إلى انسداد الأفق في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بالسياسات الاستيطانية التي تشكل عقبة أمام "حل الدولتين" ونجاح الاتفاق.

عيب الاتفاق

يقول عضو الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن غسان الخطيب إن الاتفاق كان فيه عيب رئيسي منذ لحظة توقيعه وما زال هذا العيب ظاهرًا ويؤدي إلى الأذى الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في كل يوم.

"ويتمثل هذا العيب في أن هذا الاتفاق لم يلزم دولة الاحتلال بوقف السياسة الاستيطانية وباقي السياسات أحادية الجانب الغير قانونية إن كانت هدم بيوت أو مصادرة أراضي أو توسيع مستوطنات"، وفقًا لـ "الخطيب".

ويضيف في مقابلة  بأن العيب في الاتفاق مشتق من مشكلة أعمّْ وهي أن الاتفاق لا ينطلق من الإقرار بحقيقة أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة هو احتلال من الناحية القانونية، ما يعني أنه مخالف لاتفاقية جينيف.

ويشدد "الخطيب" على أنه يتوجب على الإسرائيليين الاعتراف بالمعاهدة التي تنص بدورها على قواعد محددة بسلوك المحتل مثل: عدم مصادرة الأراضي، وعدم نقل سكان من منطقة إلى منطقة.

إضافة لعدم وضع سجناء خارج الأراضي المحتلة وغيرها من القيود التي تفرضها اتفاقية جينيف المتعلقة بالاحتلال والقضايا الإنسانية.

ويشير "الخطيب" إلى أنه ومنذ ذلك الحين يعيش الشعب الفلسطيني صعوبات في التعامل مع الاتفاق، والعلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي ناتجة عن استمرار السلوك الاستيطاني.

يقول بأن "إسرائيل تدعي بأن الاتفاق لا يجبرها على وقف الاستيطان وبالتالي هي مستمرة في العملية الاستيطانية التي شكلت نقطة الاحتكاك والتوتر الرئيسية بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي منذ توقيعه".

سوء أداء وتقدير

ولا يعتقد "الخطيب" الذي يعمل حاليًا أستاذًا للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت بأن توقيع اتفاق أوسلو جاء نتيجة عوامل عربية وخارجية ضاغطة على المنظمة، وإنما لسوء إدارة وتقدير وسوء أداء من القيادة الفلسطينية في ذلك الحين.

ويلفت إلى أن القيادة أخطأت التقدير، حيث لم تأخذ بعين الاعتبار التوصيات والمواقف التي أخذتها قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية وتحديدًا الوفد الفلسطيني المفاوض برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي والذي كان يمثل الداخل الفلسطيني.

ويرى بأن هذا الوفد كان يمتلك إدراكًا كبيرًا للمشكلة الاحتلالية؛ نتيجة أنه يعيش في الداخل ويعرف معنى ماذا يعني استيطان واحتلال، وبالتالي كان هذا الوفد لديه إصرار وإلحاح بأن أي اتفاق يجب يتضمن التزاما إسرائيليًا بوقف الاستيطان.

وحسب "الخطيب" فإن الوفد كان يرى أن أي اتفاق لا يوفر ذلك سيلحق الضرر والأذى مع مرور الزمن بالمصلحة الوطنية الفلسطينية وهذا الذي كان.

الجهود الإقليمية لدفع مسار التفاوض

وردًا على سؤال حول إمكانية أن تدفع الجهود الإقليمية المبذولة حاليًا من الإدارة الأمريكية مسار التفاوض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل يقلل "الخطيب" من هذا السيناريو ولا يرى بأن المسار التفاوضي يمكن إحياؤه؛ فـ "العكس هو الصحيح".

ويرى "الخطيب" بأن العلاقات العربية الإسرائيلية الحالية من شأنها أن تعزز الاتجاه اليميني في إسرائيل وتضعف من فرص أي ضغط على إسرائيل؛ لتقديم أي تنازلات كانت على الإطلاق.

وحول مستقبل عملية التسوية يوضح "الخطيب" بأن إسرائيل خرجت منذ مدة من مربع العملية السلمية وحل الدولتين والتسوية التاريخية (إلخ) من مفاهيم ومصطلحات؛ لأنه لم يعد في إسرائيل أكثرية بالرأي العام ولا أكثرية في النخب السياسية التي لديها استعداد للتعاطي مع موضوع إنهاء الاحتلال من حيث المبدأ بغض النظر عن المقابل.

ويشير إلى أنه أصبح هناك إجماع من الإسرائيليين على استمرار الهيمنة الإسرائيلية على كل الأراضي المحتلة وإن كان بدرجة وأساليب متفاوتة بين منطقة وأخرى، فهي تسيطر على كل الأراضي الفلسطينية التي احتلت منذ عام 1967م.

 كما أن هناك إجماع إسرائيلي على استمرار الاستيطان ومحاولة هضم ما ابتلعوه بشكل هادئ وتدريجي عن طريق الاستيطان، معتقدًا في الوقت نفسه أن التحلل من اتفاق أوسلو لا يبدو سهلًا بالنسبة للقيادة الفلسطينية.

واقع السلطة

في هذا السياق يقول الباحث حسام شاكر إن السلطة الفلسطينية ليس لديها خيارات سواءًا على صعيد السلم أو الحل؛ فهي تراهن على إبقاء الحالة القائمة؛ لأنها ملتحمة وجوديًا مع هذه الحالة ولا تمتلك انفكاكًا عنه.

ويضيف: "السلطة تواجه استحقاق الشيخوخة السياسية بعدما فقدت خياراتها للضغط على الاحتلال، مؤكدًا أن هذا الاستحقاق سيكون صعبًا عليها وربما يؤدي إلى مفاجئات في الساحة الفلسطينية في المستقبل.

في المقابل لا توجد إرادة سياسية لدى الاحتلال الإسرائيلي من أجل إضرام عملية تسوية سياسية حقيقية، وفي نفس الوقت لا يوجد شريك سياسي في إسرائيل متماسك وقادر على أن يخوض عملية تفاوضية ناجزة، وفقًا للباحث.

ويرى "شاكر" أن هناك عدة احتمالات في مستقبل التسوية السياسية: الأول أن تستمر الوعود والشعارات أمدًا آخر من الزمن؛ لبيع الوهم للشعب الفلسطيني.

 فيما الاحتمال الثاني يتمثل بأن يكون هناك إرادة دولية للمكاشفة بشأن واقع عملية التسوية ومستقبلها بأنها غير ممكنة ومنهارة ولن تفضي إلى أي شيء، لكن هذا السيناريو يبدو مستبعدًا من وجهة نظر "شاكر".

ويشير إلى أن المكاشفة الدولية ستؤدي إلى إطلاق الخيارات الفلسطينية البديلة في مواجهة الاحتلال؛ "فهناك خيارات متعددة ومحرجة للاحتلال مثل الانتفاضة والعصيان المدني الواسع وحل السلطة".

يشدد على أن هذا السيناريو يمثل سيناريو رعب حقيقي للاحتلال ولداعميه في المنطقة؛ فالكل معنى بإطالة أمد الوضع القائم حاليًا مع الاستمرار بذات الوقت بتقديم التمويل للسلطة الفلسطينية وأجهزتها بشكل خاص.

وحسب "شاكر" فإنه لا توجد إرادة سياسية لدى الاحتلال من أجل إضرام عملية تسوية سياسية حقيقية، وفي نفس الوقت لا يوجد شريك سياسي في إسرائيل متماسك وقادر على أن يخوض عملية تفاوضية ناجزة.

وبرأيه أيضًا فإن السلطة الفلسطينية ليس لديها خيارات بالضغط على الاحتلال.

استراتيجية حرق الوقت

ومن أشهر تتحدث الإدارة الأمريكية عن جهود تبذل بالتنسيق مع مصر ودول أخرى لدفع مسار "حل الدولتين" ومسار التفاوض، حيث جرت اجتماعات لمناقشة هذه القضية، كان آخرها الاجتماع الثلاثي الذي ضم الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني عبد الله الثاني بن الحسين.

وحول هذا يشدد الباحث "شاكر" بأنه لا يمكن أن تنجح الجهود الإقليمية المبذولة سوى في إطالة أمد الوهم، ولإعطاء انطباع للشعب الفلسطيني بأن ثمة وعدًا ما زال قائمًا في الأفق من خلال اتفاق أوسلو.

يقول "شاكر" إنه هناك محاولات لإبقاء الوهم السياسي قائمًا من خلال الحديث بأنه يمكن انتزاع شيء من الاحتلال الإسرائيلي رغم أن التعويل على هذا المسار غير مجدٍ".

ويضيف بأن راسمي السياسات والاستراتيجيات يدركون تمامًا بأنه لا يوجد مجال لإحراز تقدم جوهري في التفاوض على تحقيق حقوق فلسطينية أساسية مثل إقامة دولة مستقلة لأن شروط اللعبة لا تسير بهذا الاتجاه وانعدام الإرادة السياسية لدى جانب الاحتلال.

ويؤكد أن أي محاولة لدفع المسار التفاوضي لن تأت بنتائج مغايرة؛ فالحديث المتكرر عن دفع مجال التفاوض والذهاب إلى المبادرات على مستوى القمم ومبادرات التسوية والقمم العربية ومشروعات الإدارة الأمريكية لن يثمر في ظل غياب الأفق السياسي للتسوية.

أسباب ضعف الاتفاق

الباحث والأكاديمي الفلسطيني د.أحمد حسين يقول إن الاتفاق لم يحقق الهدف المرجو منه فلسطينيًا وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بل على العكس استطاعت اسرائيل ان تستغل هذا الاتفاق كي تقوم بمزيد من التغول في الاراضي الفلسطينية.

ويرى بأن الاتفاق همشَّ القضية الفلسطينية، حيث تحول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى مجرد نزاع حول قضايا فنية تتعلق بمسار المفاوضات ومكان عقدها.

ومن وجهة نظر "حسين" فإن دور السلطة الفلسطينية طغى على دور منظمة التحرير؛ "فبدلًا من أن تكون الأولى أداة تحت إشراف وإدارة الثانية أصبحت المنظمة غطاء يُستذكر عند كل جولة من جولات المفاوضات لإصباغ نوع من الشرعية عليها".

ويشير إلى أن الأزمات التي مرَّ بها الإقليم خاصة بعد مرحلة "الربيع العربي" ساهمت بزيادة التهميش بالقضية الفلسطينية؛ فالدول المركزية المرتبطة بمسار النزاع الفلسطيني مثل مصر وسوريا انشغلت في أزماتها الداخلية.

ولا يعتقد بأن الدول الإقليمية الآن قادرة على دفع مسار العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فهي لا تمتلك القدرة والكفاءة من أجل تحقيق هذا الأمر.

ويتفق "حسين" مع الباحث "شاكر" الذي يرى أن التطورات الإقليمية المتمثلة بصعود القطبية الأمريكية ونهاية عهد الاتحاد السوفييتي، ونتائج حرب الخليج الأولى، وتفكك الموقف العربي أنتجت حالة ضعف في الموقف الفلسطيني.

ويرى بأن الظروف التي كانت قائمة لم تشجع على إحراز إنجاز سياسي حقيقي للشعب الفلسطيني حتى رغم المحاولات الفلسطينية للاستفادة من اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 1988م لتثبيت رؤيتها؛ "فلحظة الضعف أملت اتفاقا رديئًا جدًا"، حسب الباحث.

ويشير "شاكر" إلى أن الاتفاق انهار بمجرد غياب اسحاق رابين وشمعون بيرس عن القيادة في دولة الاحتلال؛ وفي أواسط التسعينيات كان واضحًا أن الاتفاق ارتطم بجدار مسدود مع عودة الاستيطان والاستغلال الإسرائيلي؛ لتكريس تبعية فلسطينية على الأرض اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.