• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
01:32 م - الخميس 21 / أكتوبر / 2021

وتحطمت الأساطير مع العدوان

وتحطمت الأساطير مع العدوان
4صورة الكاتب

عماد الدين حسين

رب ضارة نافعة، فإذا كان العدوان الإسرائيلي على فلسطين خصوصا غزة، قد تسبب في خسائر كثيرة للفلسطينيين في الأرواح والبيوت والممتلكات والبنية التحتية، فإن مقاومة الفلسطينيين الباسلة للعدوان، أسقطت العديد من الأساطير وفي مقدمتها ما سمي بصفقة القرن التي كان هدفها الجوهري تصفية القضية الفلسطينية.


العدوان وحشي وهمجي وبربري وعنصري، لكن الثمن الذي دفعته إسرائيل فادح جدا، وخسائرها ستكون باهظة على المدى البعيد.


قبل العدوان كان الإسرائيليون ومعهم حكومات ونخب ومثقفون عرب كثيرون، يعتقدون أن القضية الفلسطينية، قد انتهت إلى غير رجعة وتمت تصفيتها إلى الأبد، وأنه حان الوقت ليدرك الفلسطينيون أن زمن حل الدولتين قد سقط تماما، وعليهم تقبل مصيرهم ،والذوبان في دولة الاحتلال.


اعتقد الجميع أن تصورات وخيالات وأوهام ترامب وزوج ابنته غاريد كوشنر، وغلاة الصهاينة في إدارته، ومعهم بنيامين نتنياهو بشأن صفقة القرن ستتحقق، حتى لو كان ترامب قد خسر وغادر البيت الأبيض.
لكن العدوان ورغم قسوته قد واجه مقاومة عنيفة من الفلسطينيين خصوصا المواطنين العاديين، كما رأينا في حي الشيخ جراح. هؤلاء المواطنون قالوا للاحتلال والعالم أجمع أنه طالما أن هناك شعبا باقيا فإن القضية لن تموت.


الأسطورة الثانية التي سقطت خلال هذا العدوان هي أن العلاقات التي أقامتها الحكومات العربية في الشهور الماضية مع إسرائيل، ستؤدي بصورة آلية إلى سقوط حقوق الفلسطينيين وتركهم في العراء ليواجهوا مصيرهم المحتوم، لكن وبما أن العدوان نفسه قد فشل في إنهاء القضية الفلسطينية، فإن هذا التطبيع المجاني قد فشل بدوره في تحقيق الأهداف، التي كانت تحلم بها إسرائيل.


كانت الحكومات التي سارعت بالتطبيع تمني نفسها بالحصول على مزايا وهدايا وحوافز مختلفة من أمريكا والغرب وإسرائيل، لكن مشاهد العدوان الإسرائيلي الغاشم جعل هذه الحكومات، تبدو في صورة صعبة جدا أمام شعوبها، بل ربما حتى أمام نفسها.


الأسطورة الثالثة التي سقطت هي أن الجيش الإسرائيلي قادر على فرض كلمته في كل لحظة داخل الأرض المحتلة وخارجها. صحيح أن آلة الحرب الإسرائيلية جبارة ومدمرة وفتاكة، وأوقعت بالفلسطينيين خسائر بشرية ومادية فادحة، لكن المفارقة أن هذا الجيش المصنف الأول في المنطقة، لم يكن قادرا على منع صواريخ بدائية أنتجتها المقاومة في ورش محلية وبتكلفة زهيدة، مقارنة بثمن الأسلحة الحديثة الموجودة في مخازن الجيش الإسرائيلي.


قبل العدوان كانت المقاومة قادرة على ضرب المدن الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة مثل عسقلان وسديروت، لكن المفاجأة أن الصواريخ وصلت تل أبيب نفسها، وهددت منشآت حيوية مما اضطر سلطات الاحتلال إلى تعطيل العديد من الرحلات الجوية لمطاراتها، كما وصلت الصواريخ الفلسطينية إلى مدن مثل بئر سبع في النقب.


الأسطورة الرابعة والمهمة التي سقطت خلال العدوان هي اعتقاد إسرائيل أن عرب 48 أو عرب الداخل قد ذابوا تماما في المجتمع الإسرائيلى، وكادوا يصبحون إسرائيليين أقحاح، لدرجة أن البعض يطلق عليهم زورا «عرب اسرائيل». ثم استيقظ الإسرائيليون على كابوس مريع حينما انتفض فلسطينيو الداخل، للتضامن مع إخوتهم وأشقائهم في القدس والضفة وغزة، ورأينا حرب شوارع في مدن 48 خصوصا اللد التي تمردت على الاحتلال، وبعثت برسالة واضحة أن هؤلاء عرب وفلسطينيون وسيظلون كذلك رغم مرور 73 عاما على زرع إسرائيل في المنطقة عام 1948.


وأظن أن هذا المتغير هو أكثر ما سيؤلم ويوجع ويزعج إسرائيل. لأنه ينسف مجمل الأسطورة الإسرائيلية من الأساس، ويجعل الاحتلال يفكر مليون مرة قبل أن يتعامل مع هذه المناطق باعتبارها جزءا من كيانه، بل قد يقود إلى تفتت الكيان العنصري الصهيوني نفسه من الداخل، اذا ما وجدت ارادة عربية حقيقية موحدة.


هذا العدوان أكد همجية جيش الاحتلال الإسرائيلي، كما أكد أيضا زيف وبطلان أن "إسرائيل واحة الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربية"!


لا يعني ذلك أن الأمور سهلة، أو مثالية «فالتوحش الإسرائيلي في أشد تجبره، والمجتمع الدولي إما عاجز أو متواطئ، والعرب في قمة الضعف والتخاذل، ورغم ذلك فإنه وبعد حوالي أسبوعين من العدوان المتواصل، فإن الأسطورة الخامسة والأهم هي أن الفلسطينيين أثبتوا أنه يمكن بمزيد من التوحد والتنظيم والمقاومة السلمية والمتنوعة أن يهزموا هذا المشروع الصهيوني العنصري الإحلالي رغم كل جبروته وقوته وعلاقاته وموارده، ورغم كل الانقسام والتشرذم العربي، شرط أن يتوحدوا وأن يجدوا دعما عربيا حقيقيا.