• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
04:26 ص - السبت 25 / سبتمبر / 2021

قيامة القدس

قيامة القدس
4صورة الكاتب

عبد الحليم قنديل

لا صوت يعلو على صوت القدس، ليس فقط لأنها عاصمة الروح، وهي المقر والمستقر للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وشاءت إرادة الله جلّت قدرته، أن تحيي بشباب القدس وشاباتها عظامنا التي صارت رميما، وأن تبدأ منها قصة الخلق الفلسطيني الجديد، الذي لا يبالي بخذلان الأبعدين والأقربين، ولا بموات الأمة، التي استعبدها واستذلها حكامها، وجعلوا من أنفسهم سندا لكيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي صدمته مفاجأة قيامة وبسالة أهل القدس المحتلة الجريحة المنهكة، ولكن المتحدية بمقاومة أسطورية سلاحها الإرادة والإيمان والصدور العارية والفداء والتضحية إلى ما لا نهاية.
كانت القدس مركز الوحي والإلهام لانتفاضات الفلسطينيين عبر العشرين سنة الأخيرة، وكان المسجد الأقصى نقطة انطلاق الانتفاضة الثانية في أواخر 2000، وجسرا لصعود انتفاضة “شباب السكاكين” من أكتوبر/تشرين الأول 2015 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وساحة بطولة هائلة أفزعت جيش الاحتلال في 2017، وهزمت عدوان تركيب كاميرات وتشييد أبراج مراقبة، تتحكم بالدخول عبر بوابات المسجد الأقصى، ومن دون أن يأبه شبان وشابات المدينة العتيقة بتطورات السياسة الصادمة، ولا بتأييد أمريكا لقرار الاحتلال القديم بضم القدس كلها أواسط عام 1980، ولا بإعلانات الزهو الإسرائيلي الفاقع، باعتبار “القدس الموحدة” عاصمة أبدية لكيان الاحتلال، ولا بأطواق المستوطنات شرقي القدس، وشق الطرق العازلة، ومنع مئات آلاف المقدسيين لعشرات السنوات من البناء فوق أراضيهم، وخلخلة أساسات المسجد الأقصى بحفريات توراتية مهووسة، وحملات التهجير القسري في حي الشيخ جراح وغيره، وهمجية المستوطنين المستعمرين مع الشرطة والمخابرات وجيش الاحتلال وفرق الخيالة.
وفي زحام الهول الباطش، وترك القدس وأهلها المحاصرين وحدهم، بدت المعجزة بأنصع معانيها، ودارت حروب شوارع متصلة، عجزت فيها “إسرائيل” عن دفع شباب القدس للاستسلام، وسقط المئات بعد المئات جرحى وأسرى، ولكن من دون أن يتراجع زحف طوفان البشر، يبتسمون والدم يسيل من أجسادهم، يبتسمون وهم يقعون في الأسر، يبتسمون وهم يكسرون حواجز الخوف، يبتسمون وهم يغنون للقدس وفلسطين، يبتسمون وهم يكيدون للأعداء بأغاني صنعوها ناطقة بالعبرية، تتوعد الغزاة العابرين بسلاحهم وبالطلقات الحية والطلقات المعدنية وقنابل الغاز وخراطيم المياه العادمة (تشبه مياه الصرف الصحي)، يبتسمون وهم يهزأون بصنوف القهر كلها، وبالقتل والهدم والتشريد، ويعلنون أنهم باقون ما بقي الزعتر والزيتون، وأن عدوهم العابر ذاهب غابر لا محالة، وإلى حيث ألقت القدس غزاتها القدامى في مزابل التاريخ.

 

يبتسمون وهم يهزأون بصنوف القهر كلها، ويعلنون أنهم باقون ما بقي الزعتروالزيتون، وأن عدوهم العابر ذاهب غابر لا محالة

ليس في القدس جيش عربي، ولا فصائل فلسطينية مسلحة، ولا جماعات سياسية، تختلف في جنس الملائكة ومواعيد الانتخابات، ولا نوازع طائفية من تلك التي تمزق الروح، لكن القدس بأهلها وشبابها وشاباتها، صارت جيش الأمة الوحيد الذي يهزم جيش الاحتلال، وفي معركة تلو المعركة، كما جرى قبل أسابيع في معركة “باب العامود”، وبعدها في “سبت النور”، حين حاول الاحتلال منع وصول المسيحيين الفلسطينيين إلى “كنيسة القيامة”، فأهل القدس هم المعنى الأرقى لوحدة الأمة، ودفاع المسلمين فيها عن كنيسة القيامة، كما دفاع المسيحيين والقساوسة عن المسجد الأقصى، وقهر الاحتلال لأهل القدس جميعا، يخلقها من جديد، ويستعيد لها معنى الصلاة الجامعة لله وحده، وللوطن وعروبته، كما للمسجد والكنيسة، ولشعاع النور الذي يخترق الحجب والحواجز العسكرية وجدران الفصل، ويبعث الروح في رام الله ونابلس وجنين وبيت لحم، تماما كما يبعثها في عكا واللد والرملة وحيفا ويافا، وفي غزة العزة، وأفواج الشهداء الصاعدين للسماوات في حرب القدس، فالقدس لن تكون أبدا عاصمة لاحتلال، وثروة القدس ليست فقط في مقدساتها الدينية، بل في أهلها المباركين بنور الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يخيفهم جيش الاحتلال ولا جرافاته ولا محاكمه المزورة، ولا خطط السحق الكلي الجارية من عشرات السنين، وقد أفسدوا على المحتلين احتفالات ومسيرات وأعياد النصر التهويدي، فهم على أرضهم ثابتون راسخون، وأعداؤهم أمة خلت من قبلها أمم الغزاة، والشيخ جراح ليس مجرد اسم عرضي لمنطقة ولا لشارع، بل عنوان صمود طالع كما أحجار القدس من رئة الزمن الباقي، فالشيخ جراح المقصود هو، حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي محرر القدس الأول، بأقصاها وكنيستها قبل أكثر من 800 سنة، وكل شاب وشابة في الشيخ جراح، وفي عموم القدس، هو مشروع صلاح الدين جديد، وإن كان بغير جيوشه ولا سلاحه، وكما كتبنا هنا قبل أسبوعين، في مقال بعنوان “عظات القدس”، فإن “نداء القدس وعظاتها وانتفاضاتها، هي وحدها التي ترد الروح، وتعيد النجوم التائهة إلى مداراتها الأصلية”، وهو عين ما جرى ويجري متصلا متصاعدا في فلسطين كلها، فانتفاضة المقدسيين بعثت الروح في أراضي 1948، كما في مدن الضفة وقراها، وامتزجت دماء شهداء القدس وشهداء الضفة وغزة والداخل، وجمعت قوافل الأسرى نفسها المئات في الوقت ذاته، وبغير تمييز بين بقاع فلسطين التاريخية كلها، ثم صعدت الروح المقدسية إلى ذراها بتجاوب غزة البطولي، ورشقات صواريخها بالمئات وبالآلاف، التي ضربت العدو وتجمعاته الاستعمارية في ضواحي غرب القدس، كما في مستعمرات غلاف غزة وأسدود، كما في عسقلان، وخط أنابيب البترول الواصل إليها من إيلات، وصولا إلى قصف تل أبيب نفسها، بما نشر الرعب بين أغلب سكان إسرائيل، وأثبت للعدو أن المقاومة تملك قوة الردع ردا على جرائمه وغاراته، وجعله يتألم كما يتألم الفلسطينيون.
وكلامنا في ما مضى والآن، ليس تحليقا في فضاء الأماني، ولا هو دفع لشعور اليأس بشد حبال أمل تخيلي، بل هو طريق واقعي جدا لسعي جدي لتحرير فلسطين، وفي قلبها القدس، وبقدرات الفلسطينيين أولا، بعد أن خذلهم القريب والبعيد، وتلهت عنهم الأمة بمآسي من صنع الشواذ والأعداء، وبحروب أهلية وطائفية مهلكة، وبمذابح فاقت في وحشيتها ما ترتكبه “إسرائيل”، وليس مطلوبا من الفلسطينيين في ما نظن، سوى احتذاء مثال القدس، وجعل كل مدينة فلسطينية قدسا إضافية، وبالكفاح الشعبي الذي يحطم حواجز الخوف، ويكسر قيود “أوسلو” وأخواتها وسلطاتها الباهتة المتنازعة ذاهبة الريح، فالقدس وحدها، وبطاقة أهلها التلقائية المبرأة من شوائب السياسة ومطامعها الصغيرة، كفاح القدس وحده هو الذي يشق طريق النصر الأكيد، وليس مطلوبا ـ فقط ـ تضامنا مع القدس وأهلها، بل استنساخ معنى القدس في كل دار فلسطينية، وجعلها عاصمة الكفاح كما هي عاصمة الصلاة، وفي القدس بضع مئات الآلاف، لكن فلسطين المحتلة كلها فيها ملايين سبعة، وموارد بشرية عربية تفوق موارد البشر الصهاينة المغتصبين، صحيح أن كيان الاحتلال يملك سلاحا عسكريا لا يملكه الفلسطينيون، ولديه ترسانة قنابل ذرية، كانت سلطة “جنوب افريقيا” العنصرية تملك مثلها، لكنها هزمت بالكفاح العنيد الطويل للسود المستعبدين، وبأساليب الفصل العنصري ذاته ” الأبارتايد” والتهجير والحصار، الذي يمارسه كيان الاحتلال الإسرائيلي، وما من بديل أفضل عند الفلسطينيين سوى بتطليق الأوهام، وترك خرافات بائسة غير ممكنه التحقق، ولا تلبي الحد الأدنى من الحق الفلسطيني، من نوع وهم دويلة الضفة وغزة، الذي يتقزم مع مرور الزمن الجاري إلى دويلات أصغر، تتناحر في ما بينها على نحو ما عرفنا ونعرف، وتنتهي إلى تقسيم المقسم، بينما نداء القدس وعظاتها البطولية في مكان آخر تماما، وفي مقام العودة للأصل المهجور، وهو العمل من أجل تحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية جامعة، لا فرق فيها بين الأراضى المحتلة في 1948 والأراضي المحتلة في 1967، وهو هدف لا يتحقق بغير كسر أسنان آلة الاحتلال العسكرية، وإنهاكها دوما بانتفاضات شعبية، لا تستبعد المقاومة المسلحة كلما وحيثما أمكن، وإن كانت تركز على المقاومة الشعبية التي يستطيعها الناس جميعا، ووظيفتها بالغة التحديد والوضوح، بالتصدي للعدو واستنزاف قوته، وزيادة تكاليف بقاء الاحتلال دما ومالا ومعنويات، وكل احتلال يذهب، إن زادت تكاليف بقائه عن فوائده، وهذه عبرة كفاح الأمم جميعا، وعبرة الكفاح الفلسطيني نفسه، وعبرة كفاح القدس الإبداعي بالذات، فالقدس وحدها تمثل الكل، وحالتها الفريدة تلخص أحوال الفلسطينيين جميعا، قسمها الغربي جرى احتلاله في نكبة 1948، ثم احتلال الجزء الشرقي في 1967، ورمزية كفاحها هي التي تحرج وتردع خونة الأمة، وهي أولى القبلتين في مقام الروح، وأول الاختيارات عند مفارق الطرق.