• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
02:59 ص - الإثنين 14 / يونيو / 2021

منصور الشحاتيت... ذاكرة فلسطينية قيد الأسر رغم تحرره من سجون الاحتلال

منصور الشحاتيت... ذاكرة فلسطينية قيد الأسر رغم تحرره من سجون الاحتلال

اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الأسير الفلسطيني، منصور الشحاتيت (35 عاماً)، من قرية خُرسا جنوب غرب الخليل، جنوبيّ الضفة الغربية، قبل سبعة عشر عاماً، وفي سنوات اعتقاله أطفأ الاحتلال ذاكرته، فقتَل فرحة استقباله، الخميس الماضي، إذ لم يتعرّف منصور إلى والدته وإخوته وأخواته، ولم يشعر بأحضانهم، في مشهد أبكى الجميع، وغابت الزغاريد والغناء احتفالاً بتحرّره، والأكثر إيلاماً ربما، أنّ منصور لم يعرف أنّه تحرّر أصلاً.

أصيب الأسير المحرّر، منصور يوسف الشحاتيت، الذي اعتقله الاحتلال بتهمة مقاومته، عندما كان لا يتجاوز الثمانية عشر عاماً من العمر، بفقدان الذاكرة المؤقت أو الجزئي، ومشاكل نفسية وعصبية، بعد قرابة خمس سنوات من اعتقاله، إثر التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرّض له في سجون الاحتلال، وإعطائه من قبل الاحتلال حقناً غير معروفة، بحسب ما تؤكد عائلته.

مشهد استقبال حزين

لم يستطع جهاد الشحاتيت، شقيق منصور، الاقتراب من أخيه لحظة تحرّره، فقد كان صعباً عليه أن يرى ما آل إليه أخيه، وكذلك لم يستطع تمالك نفسه خلال إعادة استذكار مشهد استقباله، فبكى وقال لـ"العربي الجديد": "من الصعب جداً عليّ رؤية أخي على هذه الحال، وكنت آخر من اقترب منه ليسلّم عليه. لكنه لم يشعر بأحضاننا، ولم يشعر بشيء، ولم يوقن أنه تحرّر".

في يوم الإفراج عنه، بعد 17 عاماً من الاعتقال، تعمّد الاحتلال تعذيب منصور الشحاتيت، وفق عائلته، تركه جائعاً وجعله خائر القوى يوم تحرّره، فلم تُسعفه ذاكرته، ولم يُسعفه جسده للوقوف أو المشي، لذا أمسكت والدته بيده، وأحاط والده وإخوته به، خشية أن يسقط مغشياً عليه، كما سقطت ذاكرته وعافيته العقلية والنفسية في السجن وتحرّر دونهما.

تقول فايزة الشحاتيت (65 عاماً)، والدة المُحرّر منصور، بصبرٍ مُتمكّن: "معاناتي مع سجن منصور كبيرة جداً، ما بين الزيارات وحرماننا إياها. كما مع تعذيب منصور داخل السجون، كنا نتعذّب نحن خارجه. أتكلّم الآن وأنا مُتعبة، وأذكر أنني لم أغادر اعتصاماً من أجل منصور، ومن أجل الاهتمام بعلاجه، لكن دون جدوى!".

وبدت والدة الأسير المحرّر، منصور الشحاتيت، صلبة ومتماسكة رغم بكائها وألمها، وقالت: "صحيح أنه خرج بهذا الحال، لكني أحمد الله أنه خرج حيّاً، ومهما كان وضعه المهم أنه تحرّر، وبإذن الله سيعود لنا منصور كما كان، ويمنّ الله عليه بالشفاء"

لم يكن منصور يعاني أيّة أمراض نفسية أو عقلية قبل اعتقاله، وكان قد انضمّ قبيل الاعتقال إلى إحدى المدارس المهنية لتعلّم حرفة النجارة في مدينة القدس المحتلة، بحسب ما يفيد أخوه جهاد، الذي لم يكن قد تجاوز الأربعة عشر عاماً من العمر، حين اعتُقل أخوه.

قال جهاد: "تعرّض أخي منصور للتعذيب الجسدي والنفسي، ولتجربة مريرة في زنازين العزل الانفرادي، وقد أخبرنا خلال الزيارات قبل تدهور حالته بتعرّضه للتعذيب بكل السبل، منها تشغيل أصوات زنانة شديدة الإزعاج وفوق قدرة الاحتمال، طوال الوقت في زنزانته، مع عزله فترة طويلة وتقييده وضربه. ومنصور الآن ضائع ويعاني من تقلّبات نفسية غريبة بين الفرح والحزن، حتى إنه كان يغفو على شبّاك الزيارة، أو يترك الشباك ويعود للسجن".

لكن ذاكرة منصور، بعد ساعات من وصوله إلى منزل عائلته، بدأت تعود إليه، لكنها ذاكرة جزئية. فقد عادت به الذاكرة إلى سنوات ما قبل الاعتقال، وتذكّر بعض عجائز العائلة وخالته، ولم يتعرّف بسهولة إلى وجوه إخوته وأخواته العشرة، وهو أوسطهم، فقد كبروا في غيابه، وذبل هو في سجنه، فصار نحيلاً وشاحب الملامح وهزيلاً.

وفي اليوم التالي لتحرّره، تفاجأت العائلة بمناداة منصور لإحدى أخواته، وهي نداء (واسمها الثاني فداء)، التي تكبره بعام واحد، التي قالت فرِحة لـ"العربي الجديد": "تذكرني منصور، فنادى باسمي وطلب أن أحضر له الولاعة لتدخين السجائر. لم أصدّق أنه عرفني!".

واستطاع منصور التّعرف لاحقاً، بصعوبة، إلى والديه وأفراد عائلته، وهو معرّض لأن يعود لنسيانهم في أي لحظة.

تذكّر منصور شقيقته فداء، لأنه جمعته بها علاقة وطيدة قبل الاعتقال، بالإضافة إلى الأخ الأصغر أسامة، وكانوا يشكّلون حلفاً ضد إخوتهم، ويتسابقون ضمن فريق على طاعة والدهم يوسف (73 عاماً).

تقول فداء: "عندما كان يطلب أبي منّا حفر الأرض للزراعة ضمن مسابقة، كان منصور يهمّ لمساعدتي لأنه لا يمكنني الحفر عميقاً مثل باقي إخوتي، كان شهماً وذكياً ومُحباً للغات، خاصة الإنكليزية، ومحباً للمعرفة وتعلُّم كل جديد، ويُعرَف عنه أنه متمرد ويرفض الانكسار".

ورغم كسر الاحتلال لذاكرة منصور، لكنه لم يفلح في كسر حبّه للوطن، وانتشرت له إحدى المقابلات التي يقول فيها عقب التحرّر: "أنا طلعت من السجن عزيز نفس مش مذلول، وأنا حاربت عن أهلي وإخواني ووطني".

وشكّل حال الأسير المحرّر منصور الشحاتيت، صدمة جديدة للرأي العام، بعد أن فقد ذاكرته وفقد جزءاً كبيراً من اتّزانه العقلي والنفسي، جرّاء التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي والضغوط النفسية التي يحاصر الأسرى بها، قاهراً بذلك كلّ ما يملكه الأسرى من عافية جسدية أو نفسية.