• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
02:26 ص - السبت 25 / سبتمبر / 2021

لنتّحد ضدّ التطبيع

لنتّحد ضدّ التطبيع

راهَن العدو الإسرائيلي على تعب الشعب الفلسطيني ويأسه. أحاطه بضغوطات التسوية بتبنٍّ عربي، معتقداً أنَّ الأجيال الفلسطينية الشابّة ستتخلّى عن القضية ما يُسهِّل مشروعه الصهيوني بشرعنة احتلاله. لكن لم يتحقَّق أيّ واحد من توقّعاته، لأنَّ شُعلة المقاومة كانت أقوى. وقد تلقَّاها أطفالُ فلسطين مع الحليب، بإيمانٍ صادق، واستعدادٍ للتضحية، ومقاومة قلَّ نظيرها في التاريخ. بقيت فلسطين حيَّةً بأبنائها ومجاهديها، حيَّةً بتضحياتهم التي أبقت شعلة الحق الفلسطيني المشروع مضيئة ومستمرة. أراد الغرب وأميركا تثبيت الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ليزرع غُدَّة سرطانية تسيطر على المنطقة، وتكون أداةً للمشروع الاستعماري السياسي والثقافي والتربوي والاقتصادي في منطقتنا. لتكون فلسطين المحتلَّة ركيزة الاحتلال والمصادرة لمستقبل المنطقة، وتكون إسرائيل اليد الضاربة للتطويع الاستعماري، وسلب خيرات منطقتنا بشريّاً وماديّاً، وإلغاء أيّ خصوصية حضارية أو استقلال للبلدان العربية.

 

 

أنعش اتحاد شعوب المنطقة القضية الفلسطينية، وبدَّد غُربة أهلِها في هذا العالم الظالم والمستبدّ، وآنس هذا الالتفاف خيار الجهاد والمقاومة، وأعطت المساهمات الشعبية والحزبية بالعمل المقاوم ودعمه حوافز للاستمرار. وتتوَّجت الآمال باندفاعة كبيرة ولَّدتها ثورة إيران الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قده) التي بذلت الكثير ماديّاً ومعنويّاً لدعم المقاومين في مواجهة المحتل الصهيوني. وكان لتجربة حزب الله في لبنان الأثر المعنوي الكبير في جدوى المقاومة لتحقيق الانتصارات في هذا الزمن الصعب، في إطار تعاونٍ برزت ثماره واضحة في الميدان.

 


عملت أكثر الأنظمة العربية، وخصوصاً الخليجية منها، لإحاطة القضية واحتوائها، بتبنّي التسوية والتنازل عن الأرض. وآخر مظاهرها مدريد وأوسلو ثم المبادرة العربية في بيروت. رفضت هذه الأنظمة أي دعم للمقاومة، إذ كان هدفها النهائي تكريس وجود إسرائيل والاعتراف بها. ولم يَرِد تحريرُ أو استعادة الحق وكامل الأرض الفلسطينية في أيّ من خطوات تلك الأنظمة أو أدبياتها.

 


انسدَّت آفاق التسوية بحسب الأطماع الإسرائيلية التي لا حدود لها، وأثبتت مقاومة الشعب الفلسطيني ومجاهديه جدارتها وعزمها على الاستمرار بهدف التحرير. واستخدم الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، كلّ عناصر القوة لديه لإنهاء القضية الفلسطنية من خلال صفقة القرن، التي رفضها الفلسطينيون بالإجماع فسقطت. كان المأمول منها تحميل الفلسطينيين مسؤولية التفريط ببلدهم، فيلحق بهم عرب أميركا من دون أن يتحمّلوا أي مسؤولية عن التفريط بفلسطين بسبب رضى أهلها! فلم يعد أمام ترامب إلّا أن يُعدِّل خطوات ضرب القضية الفلسطينية، وتطويقها بالتطبيع، فلعلَّه يكسر العنفوان الفلسطيني ويجرّ الفلسطيني إلى تنازلات!

 


لا يستطيع عرب التطبيع أن يبرِّروا موقفهم الخياني للدين والعروبة وفلسطين، لأنَّه يمثّل التخلّي عن القضية، بل أكثر من ذلك فهو دعمٌ للموقف التوسعي الإسرائيلي، واعترافٌ بالاحتلال وشرعنة وجوده على حساب الشعب الفلسطيني. ستكتشف بلدان التطبيع ورعاته أنّهم لم يَجْنوا إلّا الخيبة والخسران.

 


توجد سِمةٌ مشتركة لدى أنظمة التطبيع وهي أنّها أنظمة استبدادية، تخنق الكلمة في بلدانها، وتقمع حرية الرأي، وسجونها مليئة بأصحاب الرأي والموقف السياسي المعارض، وتعتمد على حماية أميركا والغرب لاستبدادها وبقاء حكّامها على عروشهم رغم ظلمهم وفسادهم.

 


لقد أسقط الشعب الفلسطيني صفقة القرن من داخل فلسطين. وهنا دور الشعوب العربية أن تُسقط التطبيع ومفاعيله في بلدانها، وأن تجترح الوسائل المناسبة لتعطيل أي أثر للتطبيع على فلسطين. ومن المهم الاستفادة من موقف الشعب المصري الأبي من كامب دايفيد، وعدم إعطائه التطبيع أي فرصة للحياة في مصر.

 

 

كانت هذة الأنظمة عبئاً على المقاومة الفلسطينية التي كانت تتأمّل أن تحصل منها على الدعم. ولعلَّ انكشاف أنظمة التطبيع رحمةٌ وخير، لتعرف فلسطين من معها ومن يتآمر عليها، بدل أن تبقى محاطة بالمواقف الرماديّة المضلِّلة. إنَّه مصداق قوله تعالى: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ...» (التوبة47).
التطبيع حلقة من حلقات وأشكال الانقياد لمشروع المحور الأميركي الإسرائيلي، الذي أنتج الحروب في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، والعدوان على إيران، والحرب في أفغانستان... وهو الذي أنتج الفوضى في بلدان عربية عدة، وعبث باستقرارها، وأمسك باقتصادها، ويحاول أن يُمسك بمستقبلها الثقافي والسياسي.

 


الحلّ أن نكون في المحور المقابل، محور المقاومة، الذي ترعاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومشروعه المركزي هو مواجهة مشروع المحور الأميركي الإسرائيلي، على أنّ أبرز قضايا المواجهة فيه هي تحرير فلسطين والقدس من الاحتلال الإسرائيلي.

 


علينا أن نعمل في مواقعنا المختلفة في هذا المحور، لامتلاك كلّ أسباب القوة في المجالات المختلفة، والتسلّح إلى أقصى مدى، وأن يكون مجاهدونا ومقاومونا في الميدان وعلى أهبة الاستعداد للدفاع عن الأرض والاستقلال.
علينا أن نتَّحد في الموقف والدعم والمساندة والمقاومة، وأن نكون يداً قوية واحدة في مواجهتهم. وأن لا نهتم بدعاياتهم وإعلامهم ونظرياتهم في المواطنة وشروطها، لأنّهم يحاولون الضغط على المقاومين والنهج المقاوم، بنظرية الفصل بين البلدان وقضاياها، وضرورة عدم إغضاب الغرب بمشاريعه ومواقفه الظالمة، واختيار الدعة والاستسلام لعدم القدرة على المواجهة، وحرصاً على ترجمة حُبّنا للحياة بالاستكانة! واستبدال المقاومة بالموقف الدولي ليعيد لنا حقوقنا، ويسترد لنا أراضينا المحتلّة! وأن القوَّة المُقاوِمة التي لا غنى لنا عنها تستفزّ الغرب وتُعيق التنمية!

 

 


رابعًا: نحن في حزب الله لبنانيون وطنيّون حتى النخاع، ندافع عن أرضنا وأهلنا بثلاثي القوة: الجيش والشعب والمقاومة، ولا تُقنعنا مقولة الحماية الدولية لبلدنا لبنان، فقد جرّبناها في القرار 425 الذي بقي في الأدراج 22 سنة حتى التحرير المُشرِّف عام 2000، من دون تدخُّل دولي، وبخروجٍ ذليل للإسرائيلي من لبنان من دون اتفاق، ومن دون أيّ قيد أو شرط. ولم تسقط مفاعيل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إلّا بالمقاومة. وعندما اعتدت إسرائيل على لبنان عام 2006، وشنَّت حرب تموز لثلاثة وثلاثين يوماً، كان القرار أميركياً ثم ساندته أوروبا وبعض الحكّام العرب وخصوصاً في الخليج، ولم تسقط أهداف العدوان بسحق حزب الله! ولم تنهزم فيه إسرائيل إلّا بجهاد المقاومين وشعبهم والجيش اللبناني.

 

 


ونساهم كحزب الله في الوقت نفسه ببناء الدولة وخدمة الناس. نحن معنيون بنهضة بلدنا اقتصاديّاً واجتماعيّاً، وأن يكون سيِّداً مستقلّاً، وأن نمثِّل الشعب بأمانة وإخلاص من خلال المجلس النيابي، وأن نعمل من خلال الحكومة على رسم سياسات البلد في المجالات المختلفة من ضمن هدف مركزي هو خدمة الناس. وفي هذه المرحلة الحسّاسة ندعو إلى تغليب مصلحة الوطن وتدوير الزوايا لتشكيل الحكومة بأسرع وقت، والتي من دونها يتجه لبنان إلى مزيد من الانهيار.

 


وفي الوقت نفسه نحن عروبيون، مع تحرير فلسطين والقدس، ومع دعم القضية الفلسطينية، ومع مقتضيات التعاون العربي لاستقلال جميع بلداننا، مع اليمن وسوريا والعراق والبحرين... ومع كلّ شعب عربي في تحقيق استقلاله وصدّ العدوان عليه، بما يُتاح لنا بحسب الظروف الموضوعية. ونخصُّ فلسطين، بأنَّنا نناصرها وندعم شعبها وأهلها ومقاومتها، ونقف معهم في الميدان، من أجلهم ومن أجلنا، فما أصابهم من جرثومة إسرائيل، أذاق العرب ولبنان المرارات والاحتلالات والفوضى، فمن واجبنا أن نكون معهم فنكون بذلك مع بلدنا وشعبنا.

 

 


وفي الوقت نفسه نحن إسلاميون، مع إيران الشعب، مع الإمام الخميني (قده) والإمام الخامنئي (دام ظله) والحرس الثوري الإسلامي، ومع بلدان وشعوب العالم الإسلامي، الذين يعانون من المشروع الأميركي الإسرائيلي، فاتحادنا يقوّينا، ويساعد بعضنا بعضاً. لن نتفرَّج على الأعداء يتَّحدون من كلِّ حَدبٍ وصَوب في ائتلافات دولية، بل سنناصر بعضنا ولو بالكلمة. ليكُن واضحاً، لن يحلَّ أحدٌ مكان أحد، ولا شعبٌ مكان شعب، ولكن بتعاوننا يحفظُ كلُّ شعبٍ خصوصيته وقناعاته، ويستفيد من إخوته وأشقائه في معركة دفاعه عن نفسه.

 


وفي الوقت نفسه نحن عالميون، مع المستضعفين في العالم، ندعم شعب فنزويلّا وكلّ شعوب العالم المستضعفة بما أمكن، وقد نقتصر أحياناً على الموقف، لكنه يضيف في رصيد المواجهة والتأثير.

 


وأخيراً: خلال العقدين الماضيين وقعت أميركا في هزائم عدّة، ومعها إسرائيل، وحقَّق محور المقاومة إنجازات مهمة في الصمود والنصر، هي واضحة وضوح الشمس في منطقتنا، والأملُ معقودٌ على المزيد.

 


لقد واجه شعب فلسطين ومقاومته في غزة أربع حروب، فصمدوا ونجحوا، واستمرّت المقاومة، هذا الشعب لا يمكن أن يُهزم، هذا الشعب علَّم المجاهدين في العالم كيف تكون التضحيات. «كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ».

 


نرسلُ التحية إلى المؤتمرات والاتحادات والهيئات والمؤسّسات الشعبية العربية التي أقامت مؤتمر «متحدون ضد التطبيع»، فهي واحدة من مساهمات دعم المقاومة.
كما نتذكَّر صُنَّاع النصر، فتحية إلى الشهداء القادة في ذكراهم، السيد عباس والشيخ راغب والحاج عماد، وإلى شهداء كل الأمة وأخصّ بالذكر شهداء فلسطين والقدس، وإلى قائد محور المقاومة الشهيد قاسم سليماني.