• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
12:56 ص - الأحد 26 / سبتمبر / 2021

شهادات من الناجين من المحرقة الإسرائيلية

شهادات من الناجين من المحرقة الإسرائيلية

يقدم كتاب بحثي واسع بعنوان “أسرى بلا حراب” للمؤرخ البروفيسور مصطفى كبها والزميل وديع عواودة، الكثير من التفاصيل عن هذه القضية.
الكتاب الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام2013 يستند لأرشيفات الجيش الإسرائيلي والصليب الأحمر ولـ 100 شهادة شفوية سجلها أسرى فلسطينيون اعتقلوا لفترات تتراوح بين ثلاثة شهور وبين سنة وثلاثة شهور داخل نحو عشرة معسكرات اعتقال في “إجليل” و “تل ليفينسكي” و “عتليت “وغيرها.
وتوقف الكتاب عند ظروف الاعتقال الصعبة والقاسية التي تعرض لها الأسرى في سجون الاحتلال (يقدر عددهم بـ12 ألف أسير) خلال نكبة 1948، وقدم بعض الأمثلة على الضرب والقتل والحرمان والتجويع والنوم على الأشواك في العراء، علاوة على تدني الشروط الصحية.
ويفيد الكتاب بأن الأسرى في شهاداتهم، على سبيل المثال، قالوا إن القمل تفشى داخل المعتقلات وسار على أرضيتها كالنمل. ويلفت الكتاب إلى أن بعض الآباء زاروا المعتقلات وقتها ولم يتمكنوا من التعرف على أبنائهم المعتقلين، نتيجة تغير أشكالهم بسبب الهزال الشديد. كما أكد الشيخ عبد الحميد عدوي من بلدة طرعان قضاء الناصرة في شهادته.
كما يتوقف الكتاب عند الأسباب الحقيقية لبناء معتقلات إسرائيلية عام 48 لآلاف الشباب الفلسطينيين ومنح كل منهم رقما، ما يثير تداعيات حول معتقلات تاريخية أخرى في أوروبا. ومن هذه الأسباب احتلال وعي المتبقين في وطنهم بالصدمة والترويع وتشغيلهم بالسخرة لسرقة محتويات البيوت في المدن والفلسطينية المحتلة عام 1948 وفي أعمال بناء أخرى، فيما زعمت إسرائيل أنهم أسرى رغم الحقيقة أن كثيرين منهم لم يحملوا سلاحا يوما وأن الاعتقال جاء بعد انتهاء عمليات الاحتلال، وهذا ما يشير له عنوان الكتاب.
ويوضح المؤرخ كبها إن إسرائيل أرادت من هذه المعتقلات منع أي خلايا تعمل للمقاومة الفلسطينية، كسر شوكة المتبقين في وطنهم، مساومتهم على حريتهم مقابل مغادرة البلاد، الانتقام ممن شارك بمجهود وطني، تشغيلهم بالسخرة ولتفريغ المدن والقرى المهجرة وجمع الغنائم. وتتوالى هذه التداعيات حينما يروي الأسرى في شهاداتهم أن السجانين برروا الحرمان من الطعام بالقول إن الألمان لم يقدموا لهم الطعام في معتقلاتهم خلال الحرب العالمية الثانية. ويكشف الكتاب ما شهدته المعسكرات الإسرائيلية من عمليات صمود وبقاء وتحصيل حقوق إنسانية حقيقية خاضها الأسرى داخل المعتقلات، رغم الانهيار والانكسار المترتب على نكبة 48.

شهادة من اللد: ذبحوا الضحايا داخل المسجد وأجبرونا على إحراقها قبل اعتقالنا

ومن ضمن الشهادات الكثيرة الواردة في الكتاب شهادة للشيخ فائق أبو منة من مدينة اللد الذي اعتقل هو وأربعة من أشقائه في معسكرات الاعتقال هذه، وفيها كشف عن تفاصيل مروعة عما ارتكبته منظمات صهيونية من جرائم.
في شهادته بلغته العامية يقول أبو منة “كنا ساكنين في حي الأوردة في اللد وأصلنا من الرملة. كان في اللجنة القومية شخصيات من دار كيالي والحسيني والهنيدي والعلمي ودهمش وشموط. كنت أطلع أحرس مع بارودة محل خالي عطا الله . كنا نروح وين بناية البلدية في مركز البلد. كنا 40 نفر في البيت عمامي وقرايبنا من يافا. سكنا في غرفتين. نصبنا خيمة في الجنينة. دخل اليهود علينا وظلينا بالدار وصاروا يروحوا وييجوا وثاني يوم وصلوا الحي وما حكوا معنا. بعدين أخذونا نشتغل بالتنظيف. يوم أجوا علينا وطلعونا من الدار وأجبرونا على ترك الدار فتركنا فيها ستاتي (جدتينا) الثنتين تركناهن وهني يعيطوا .شو بدنا نعمل. ما في اليد حيلة فتركناهن ونحن نبكي أيضا”.

مسجد دهمش

ويواصل “وبعدين فهمنا إنه في اليوم الأول لما جمعوا الناس عند مسجد دهمش  كان شاب من عنا يعمل على إنتاج فيلم سينمائي عن اللد قبيل النكبة يدعى جميل هيرون. ألقى قنبلة يدوية على بعض الجنود قبالة المسجد فقتل إثنين منهم قبل أن يقنصه جندي آخر كان على سطح المسجد. وبعدين قام أحد الجنود الصهاينة بالانتقام بواسطة حصد العشرات داخل قاعة المسجد كما فهمت من بعض الأهالي ثاني يوم. الجيش الإسرائيلي اقتادني من بيتنا بعد أسبوع مع عشرة شبان عرب آخرين منهم شقيقي خليل وابن عمي أنطون أبو كامل الزين إلى مسجد دهمش. كانت الدنيا صيف. ما أن وصلنا روعنا مشهد غير إنساني ما تخيلته في أفظع كوابيسي. كانت حوالي 70 جثة مكدسة في غرفة بجنبات صحن المسجد وكانت جدرانها ملطخة بالدم. والأرض بركة دم والحيطان مخردقة بالفشك . كانت رائحة الجثث المتعفنة قد ملأت الفضاء ولما دخلنا الغرفة من جهة اليمين ذهلنا لمشاهدة كمية هائلة من جثث الناس الذين حشروا في غرفة ورموا بالنار” .
فيما كانت تصغي زوجته بخشوع استرسل أبو منة في فتح صناديق ذاكرته، فتابع”الضحايا كانوا من الرجال عدا سيدة ارتدت لباسا فلاحيا بجنبها طفلتين في السابعة من العمر من القرى المجاورة. كنا نرفع الجثث على أكياس من الخيش وأحيانا كان ينسلخ اللحم عن العظم ولم نتمكن من التعرف على أحد لأن الوجوه كانت منتفخة” .
متكئا على عكازه وبعينين تطاير الشرر منهما بعدما أججتهما الذكريات الساخنة وقف أبو منة قبالة مكان إضرام النار بالجثث داخل مقبرة اللد الإسلامية التي اصطحبناه إليها. استذكر بأسى وحسرة فقال “تم نقل الجثث بتعليمات الجيش إلى المقبرة بالسيارات وكان الجنود الصهاينة منعونا من دفن الجثامين وأجبرونا على حرقها عدا جثث السيدة والطفلتين اللي دفناهن في قبر جماعي بالركن الشمالي الشرقي للمقبرة. جمعنا الأخشاب والأعشاب اليابسة في المقبرة وأمرونا بجلب القماش والملابس من المنازل المجاورة وتكديسها على الجثث. أذكر إنا وخلال بحثنا في المنازل المهجرة عن كل ما هو قابل للاشتعال وجدنا بدلة عروس أيضا بدت جديدة ولم ترتديها صاحبتها بعد. بللنا الجثث بالكاز وأضرمنا النار بها بعد أن “نظفنا” ملابس الموتى من الأدوات البسيطة كالسكاكين الصغيرة والمصاري والخواتم التي كانت معهن واللي أخذها الجنود طبعا وما هي لحظات حتى ارتفعت ألسنة اللهب نحو20 متر” .

معسكر إجليل

وعن الاعتقال أضاف “بعدين اقتادونا إلى الاعتقال لسجن في منطقة  إجليل…. الجنود سألونا عما إذا كان واحد منا حافظ الفاتحة. فقام  صديقي أبو كامل الزين صاحب مطعم في رام الله اليوم. وتلاها قبل إضرام النار بالجثث. وبعدين سمعت من بعض الجنود اليهود ممن أقاموا في المدينة بعد سقوطها كيف أعدموا المواطنين في المسجد وكيف رجعوا بعد دقائق معدودة من المذبحة ونادوا بالعربية وكأنهن عرب جاءوا للنجدة: في جرحى. ولما قام أكم واحد من بين كوام الجثث حصدوهن بالنار ثانية. لما خلصنا حرق الجثث أخذونا بالسيارات على الدار وما كان إشي نوكل. اعتقلوا 33 شاب من اللد بالفوج الأخير وأنا معهن وحطوا السلاح على صدورنا. ويعقوب بطشون كان أسير معنا في إجليل. في الأسر ولدت مرته في أول يوم أسر فسمت الولد أسير بناء على طلبه قبل ما يعتقلوه. سموا زي ما أنا أسير قال” .

كل أسير ورقمه

“في المعتقل كان رقمي 7246 في إجليل اشتغلت بالحفريات ثلاثة شهور وبعدين نفونا على صرفند ست شهور وأخوي الكبير اندراوس ظل وراي ثلاث شهور بالمعتقل. كنا 15 أسير في كل خيمة. الأسرى اللي بتذكرهن: عبد الله زكرور، وعبد الله النقيب، وسالم صخن، ويعقوب بطشون، أنا وأخوتي الأربعة اندراوس أبو منة، وخليل أبو منة وسمعان أبو منة، وخميس أبو منة، وأبو أحمد رويس، وفايز حبش. أعطونا خيمة ونمنا على الرمل. الأستاذ فايز حبش عمل جبلة رمل وعمل مخدة. أجا جندي لابس برنيطة كاكي وسأل خليل: شو بتسوي هون. وقال إنه بده يرد له الجميل بعد ما تبين إنه كان منقذ أخوه لكن خليل رفض وقال: شو مع بقية إخوتي. بعدين نقوا خليل وسمعان أبو منة وواحد من دار الأسمر على معتقل تل ليتفنسكي علشان يشتغلوا هناك. أنا اشتغلت مع الجيش في المطبخ قبالة المطار في محانيه يسرائيل ثماني شهور. كنت أراسل أهلي بمكاتيب. جابونا على المحطة في اللد مرتين علشان نشوف أهلنا داخل الجامع.كان ييجي الأب والأم ويوخذوا الأسير ليوم واحد. كان معنا فرقة مصرية أسرى من عراق سويدان. كانوا يعرضوا علينا نطلع برية البلاد. كنت بدي أروح على عمان عند أخوي  بس عاودت روحت على اللد. في السجن تعلمت صنعة الحلاقة ففتحت محلقة (صالون حلاقة)” .