• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:08 م - الأحد 24 / أكتوبر / 2021

استسلام القيادة الفلسطينية

عن "أوسلو" وجدلية التطبيع الفلسطيني

عن

برز أخيرا بعض الجدل الفلسطيني والعربي بشأن اتفاقيات السلام الموقعة بين الدولة الصهيونية والجانب الفلسطيني الرسمي، فهناك من يعتبرها سياقا سياسيا طبيعيا في حالة شعب خاضع للاحتلال الصهيوني المباشر قبل توقيع اتفاق أوسلو، ومزيج من الاحتلالين المباشر وغير المباشر بعدها، في حين يعتبرها آخرون خطوة في سياق مسار التطبيع العربي المرفوض، والمدان سياسيا وأخلاقيا، والذي ساهم في فتح باب التطبيع الرسمي العربي على مصراعيه. إذ يعود هذا النقاش إلى الواجهة بعد كل إعلان تطبيعي رسمي عربي مع الجانب الصهيوني، وجديده أخيرا إعلان الحكومة المغربية ذلك. وهو ما يتطلب معالجة متأنية وهادئة، بعيداً عن التعصب الوطني والسياسي لرمزيات مفروضة عربيا وفلسطينيا.

إذ عادة ما يفرض الاحتلال نمطا يوميا من التبعية اليومية بين المجتمع المحتل ودوائر ومؤسسات الاحتلال الخدمية والتنظيمية، لدوائر السجلات المدنية التي تحصي الولادات والوفيات وتوثقها، واستصدار الوثائق الرسمية، والتنظيم العمراني والخدمات الأساسية من المياه والكهرباء وغيرها من الأساسيات المعيشية التي يستحيل فيها تجاوز سلطة الاحتلال، حيث غالبا ما يتم تنظيم هذا التواصل وفق آلياتٍ يفرضها الاحتلال ذاته، مع ملاحظة قدرة الشعوب المحتلة على فرض تعديلات وتغيرات جذرية أو هامشية على هذه الآليات، وفق مسار نضالي طويل ومتعرّج.

نجد في اتفاقيات السلام الموقعة بين الجسم السياسي الفلسطيني في "أوسلو"، وما تبعها، جوهرا تشريعيا مخلا بمفهوم النضال التحرّري

لنا في نماذج فلسطينية عديدة دلائل على ذلك، مثل نضال الحركة الأسيرة داخل السجون الصهيونية، والتي نجحت في انتزاع جملة من الحقوق بعد سلسلة من النضالات، ثم خسرت جزءا منها نتيجة ترهل العمل النضالي داخل السجون، لتعود مرة أخرى وتنجح في تنظيم نضالاتها وفرض مطالبها المحقة على سلطات الاحتلال الصهيوني. حيث تتخلّل هذا المسار النضال الفئوي والاجتماعي جولات من التفاوض المباشر أحيانا، وغير المباشر في أحيان أخرى، بين ممثلي الطرفين، ذات طابع تخصّصي غالبا، يعنى بالقضايا الأساسية التي نجح الشعب المحتل في تنظيم نضالاته بشأنها، وفي أحيان قليلة تشمل هذه الجولات مواضيع مختلفة ومتعدّدة، متعلقة بشؤون الحياة اليومية، خصوصا في أعقاب توسع المواجهات النضالية لتشمل غالبية الأراضي المحتلة، وتضم غالبية الفئات والطبقات الاجتماعية المظلومة والمحتلة.

ولكن ما يميز هذه الجولات التفاوضية عن جولات التفاوض التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو طابعها التنسيقي، الخالي من أي ملمح تشريعي، بمعنى هي جلسات من أجل تيسير شؤون الشعب وتحسين ظروفه المعيشية وانتزاع حقوقه المستلبة، وصولا إلى حقوقه السياسية والوطنية في المرحلة التي تسبق انسحاب قوات الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني، كما شهدنا من تجارب استقلال وطني متعدّدة. في حين نجد في اتفاقيات السلام الموقعة بين الجسم السياسي الفلسطيني في "أوسلو"، وما تبعها، جوهرا تشريعيا مخلا بمفهوم النضال التحرّري، يمنح الاحتلال شرعية سياسية مرفوضة ومدانة، الأمر الذي يحوّل هذه الجلسات والاتفاقيات؛ بغض النظر عن موقفنا الرافض لها شكلا ومضمونا؛ من اجتماعاتٍ تنسيقيةٍ إلى اجتماعاتٍ ذات طابع تطبيعي واضح، فهي تستند إلى إقرار رسمي فلسطيني بالاحتلال سلطة شرعية، لها الحق في دولة وطنية مستقلة على جزء من أرضنا الوطنية.

كان اتفاق أوسلو تعبيرا عن استسلام القيادة الفلسطينية وإقرارها بالهزيمة، واعترافها بخطاب الاحتلال ومنطقه وتوجهاته

مرة أخرى، سوف أغض النظر عن حجم هذه الدولة، فالقضية ذات طابع مبدئي أولاً، قبل جانبها الكمّي ثانيا. فاتفاقية أوسلو وما تبعها لقاءات يطغى طابعها السياسي على سائر المسارات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والخدمية، وكأنه نهاية لمسار نضالي طويل أنجز غالبية مهامه الوطنية، وأولها الإقرار بحقنا الوطني والسيادي على كامل الأرض الفلسطينية، كما لم يأخذ طابعا نضاليا يمزج بين شقين شبه منفصلين، سياسي وميداني. يهدف الأول إلى فضح الاحتلال وكشف أكاذيبه، في حين يقوّض الشق الثاني من قدرات الاحتلال الميدانية في الضبط والسيطرة والتحكم عبر وسائل سلمية أو مسلحة.

وعليه، لم يكن اتفاق أوسلو مجرد اجتماع حتمي فرضته ضرورات الواقع، بغرض تنسيق ظروف الاحتلال وتحسينها، كما لم يكن نتيجة هزيمة الاحتلال واعترافه بحقوق الفلسطينيين الوطنية، والأهم لم يكن نضالا سياسيا يعرّي الاحتلال، ويكشف زيف خطابه ومنطقه. بل على العكس كان تعبيرا عن استسلام القيادة الفلسطينية وإقرارها بالهزيمة، واعترافها بخطاب الاحتلال ومنطقه وتوجهاته، بل ومساهمتها فيها بدرجة أو أخرى. لذا هي اجتماعات واتفاقيات تطبيع رسمي فلسطيني للأسف، ولو كان هذا الإقرار مؤلما وقاسيا لشريحة واسعة من الفلسطينيين، لكنه اعتراف ضروري لتجاوز هذه المرحلة، نحو التأسيس لتيار شعبي عربي ثوري يواجه مسار التطبيع وقوى الهيمنة والاستغلال والاحتلال في مجمل المنطقة.

تفتقد الساحة الفلسطينية، كنظيرتها العربية، سائر ركائز الدولة الديمقراطية

كما لا يمثل الإقرار بتطبيع القيادة الفلسطينية أي إدانةٍ للشعب الفلسطيني، فهي (أي القيادة الفلسطينية)، كنظرائها من الحكومات والنظم العربية المطبعة، سلطة أمر واقع لا تستمد شرعيتها من خلال آليات ديمقراطية دورية محكمة ومضبوطة ومستقلة، تتضمن للشعب (كامل الشعب) ونخبه وقواه السياسية والثقافية المشاركة السياسية وحرية التعبير والتنظيم والانتقاد والمعارضة، وصولا إلى صلاحية محاسبة المسؤولين المنتخبين، وعزلهم عن مناصبهم إن اقتضت الضرورة. كما تفتقد الساحة الفلسطينية، كنظيرتها العربية، سائر ركائز الدولة الديمقراطية، كاستقلالية القضاء والإعلام ونزاهتهما، وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية.

وعليه، يجب أن يتحلى الفلسطينيون بما يطالبون الآخرين بأن يتحلوا به، فكما يطالبون الشعوب العربية بالانفكاك عن توجهات نظم التطبيع ونقدها ومواجهتها إن أمكن، عليهم التحرّر من الذاتية الفلسطينية المفرطة التي تجيز لهم، كفلسطينيين، ما لا يجوز لغيرهم. فمن أجل التأسيس لتيار شعبي عربي تحرّري وتقدّمي مناهض للتطبيع، لا بد من التحرّر من قيود النظم المسيطرة وأوهام القائد التاريخي والقيادة الحكيمة وكذبة القرار الواقعي الوحيد والتاريخي طبعا، كونها تغيب للتفكير العقلاني العلمي لصالح تنميط الفكر والسياسية الرسمية وتعميمها شعبيا.
في النهاية، لا يصح التعامل بازدواجية مفرطةٍ وفجّةٍ تجاه الانحرافات السياسية والأخلاقية نفسها تبعا لهوية المنحرفين الوطنية، ليدافع بعض الفلسطينيين عن انحرافات القيادة الفلسطينية العديدة في أوسلو وما تبعها من اتفاقيات تطبيع واستسلام، أو عبر دفاع بعض الوطنيين العرب على انحرافات هذه الدولة والحزب والتيار بذرائع واقعية خادعة، كالهرولة اللبنانية نحو ترسيم الحدود، والتطبيع المجاني الإماراتي والبحريني، أو حتى التطبيع الخادع السوداني والمغربي، أو المهادنة السورية مع الاعتداءات الصهيونية المتكرّرة، والتقارب السوري - الصهيوني عبر الروس الذي عبر عنه بكثرة الهدايا السورية المجانية للجانب الصهيوني.

كما لا يجوز التعامل بازدواجيةٍ تجاه حق مجمل شعوب المنطقة بالحرية والعدالة والمساواة الكاملة والشاملة، في فلسطين وسورية ومجمل المنطقة، إذ من مصلحة الشعب الفلسطيني، قبل نظرائه من الشعوب العربية، أن ينتصر المنطق الحقوقي والتشريعي والأخلاقي على منطق المصالح الفئوية الآنية، وعلى منطق التقديس الأعمى.

الكاتب/ حيّان جابر