• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
03:23 ص - الإثنين 14 / يونيو / 2021

وتبقى فلسطين في قلوب الجزائريين

صفحات من بطولات الجزائريين في معارك الدفاع عن السويس

صفحات من بطولات الجزائريين في معارك الدفاع عن السويس

الكتاب: "شاهد من قرنين ومشارك في حربين"
الكاتب: العقيد محمود ملاوي
الناشر: دار القصبة للنشر- الجزائر 2019 
عدد الصفحات: 300 صفحة


بينما تتصاعد في الصف العربي المشتت، دعوات التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تظهر صفحات التاريخ القريب للأمة، صورا أخرى مناقضة ومشرقة لعرب كانوا يوما جسدا واحدا في مواجهة عدو مغتصب يراد له اليوم أن يكون "دولة شقيقة". 

ولقد كانت حرب الاستنزاف بعد نكسة 1967، وبعدها حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 على الجبهتين المصرية والسورية، والتي شاركت فيها عدد من التشكيلات القتالية للجيوش العربية النظامية ومنها الجيش الكويتي والعراقي والسوداني والمغربي والجزائري، وقفة عز عربي مفعم بالتضحية في سبيل الأمة بعيدا عن شوفينية الوطنية الضيقة، ومن ذلك ما امتاز به الجيش الجزائري تحديدا، الذي شارك في هذه الملحمة بوحدات مسلحة نظامية من "مجاهدي الثورة التحريرية" بعد 5 سنوات فقط من نيل البلاد استقلالها في الخامس من تموز (يوليو) 1962، وهي مشاركة لم تحظ رغم أهميتها بما تستحق من الدراسة والبحث، وأيضا من شهادات موثقة للمشاركين في ملاحم حرب السويس والقناة بصفة عامة .

ومن هنا تأتي أهمية فصول كتاب "شاهد من قرنين ومشارك في حربين" لكاتبه العقيد المتقاعد من الجيش الجزائري محمود ملاوي الذي شارك في معارك الدفاع عن السويس ومعارك حرب الاستنزاف بين سنتي 1967 و1968، وقبلها في الثورة الجزائرية عبر فيالق القاعدة الشرقية.

بومدين يطالب جنوده بالنصر أو الشهادة

"إن الشعب الجزائري وذويكم لا ينتظرون منكم إلا النصر أو الاستشهاد، ولا شيء غير ذلك، ولسوف تزغرد عليكم أمهاتكم شهداء أو منتصرين" ص 175، بهذه الجمل ذات الشحنة العاطفية المركزة ودع الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين ضباط وجنود اللواء الرابع للمشاة المحمولة في ثكنة زرالدة بالعاصمة الجزائرية لحظات قبل تنقلهم إلى ساحات المعارك على الضفة الغربية لقناة السويس بالجبهة المصرية أياما قليلة بعد نكسة حزيران 1967 واحتلال سيناء المصرية.

مؤلف هذا الكتاب العقيد المتقاعد محمود مولاوي، كان من الضباط الشباب القادمين من صفوف مجاهدي الثورة التحريرية الجزائرية، وقد كان مسؤولا عن كتيبة سلاح المدفعية (الهاوزر) في اللواء الرابع الجزائري المتنقل إلى مصر، حيث روى بدقة كيف تم نقل أفراد الكتائب إلى الجبهة عن طريق طائرات "الأنطونوف" الروسية الصنع، متخذين من مطار بنغازي في ليبيا قاعدة "ترونزيت" للتزود بالوقود. في حين تم نقل سلاح المدفعية والعربات المدرعة وشاحنات الذخيرة وبقية العتاد الحربي عن طريق البحر (ص 176).


وتحدث المؤلف بدقة أيضا عن مرابض المدفعية الجزائرية التي تم اختيارها مباشرة في الخطوط الأولى المقابلة للقوات الإسرائيلية بقناة السويس بمناطق "المثلث" غرب مدينة السويس، وميناء "الأدبية" جنوب المدينة، ومنطقة "بور توفيق" شمال المدينة (ص 169). وهو ما سمح بصورة أسرع للمصريين باستعادة أنفاسهم والعمل على قلب المعادلة.

الجزائريون يعيدون المعنويات للمصريين

الجيش الإسرائيلي لا يركعه إلا الرجال، وتغوّله يأتي من جبننا، هي الخلاصة التي استنتجها مؤلف الكتاب العقيد ملاوي، ولا أدل على ذلك استهانة الإسرائليين بالقوات المصرية والعربية عموما بعد احتلالها لقناة السويس وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان في بضعة أيام وهزيمتها السريعة والخاطفة لثلاث جيوش عربية في نفس المدة، حيث اتخذ جنوده المناطق المكشوفة شرق القناة لقواعد تمركزهم، بل ولم يكونوا يستنكفون عن السباحة بمياه القناة أمام الجنود المصريين الذين لم يكونوا قد صحوا بعد من هول النكسة التي حلت ببلادهم" (ص 180). 

غير أن بطاريات المدفعية الجزائرية نجحت في تدمير عدد من المراكز العسكرية الإسرائيلية المكشوفة ومن ذلك المستشفى الميداني العسكري للقوات الصهيونية الغازية الذي أقيم في منطقة مفتوحة بالضفة الشرقية للقناة مقابل "بور توفيق" وانتهى كل من فيه من العساكر الإسرائليين بين قتيل وجريح.

 

 

يبدي كثير من الإعلاميين والساسة العرب وخاصة من الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني استغرابهم من وقوف الجزائر الرسمية والشعبية الثابت حتى الآن إلى جانب القضية الفلسطينية واعتبارها قضية مركزية للجزائر وللأمة ككل، وأن تحريرها مسألة جزائرية كما هي فلسطينية وعربية ـ إسلامية، وهو شعور قد لا يفهمه إلا من جرب ويلات الاحتلال مثل الاحتلال الفرنسي

 

 


لقد تغيرت الأوضاع بشكل كبير بعد أسابيع قليلة من وصول النجدات العربية وفي مقدمتها القوات الجزائرية التي كان يقودها العقيد عبد الرزاق بوحارة (رئيس مجلس الأمة الجزائري فيما بعد)، حيث سرعان ما نجحت بطاريات المدفعية الجزائرية في تدمير عدد من المراكز العسكرية الإسرائيلية المكشوفة ومن ذلك تدمير المستشفى الميداني العسكري للقوات الصهيونية الغازية الذي أقيم في منطقة مفتوحة بالضفة الشرقية للقناة مقابل "بور توفيق" وانتهى كل من فيه من العساكر الإسرائليين بين قتيل وجريح، وهي العملية التي رفعت كثيرا من معنويات المصريين بالمنطقة (ص 179). 

وهي التجربة التي تؤشر بأن أي تضامن عربي صادق من شأنه أن يقلب المعادلة رأسا على عقب، ويوقف الصلف الصهيوني الحالي والاعتداءات الحاصلة ضد الحقوق الفلسطينية، وضد أجواء وسيادة عدد من الدول العربية الأخرى.

الدم الجزائري الساخن

كانت وحدات اللواء الجزائري تعمل ضمن وصاية الجيش الميداني الثالث المصري المتمركز بالمنطقة الجنوبية للسويس، وكانت العمليات وقصف الأهداف الإسرائيلية الثابتة والمتحركة لا تتم إلا بترخيص من القيادة المصرية، هذه الوضعية تسببت في غضب الجزائريين واعتبروها استكانة وخنوعا، وكثيرا ما ردوا على عمليات القصف الإسرائيلي أو نفذوا عمليات قصف بمبادرة منهم دون الرجوع إلى الوصاية المصرية وهو ما أنتج مشاكل بين الطرفين، ويقول عن ذلك المؤلف:

"... كانت الإشارة والرمز المحدد من القيادة المصرية بالنسبة لسلاح المدفعية هو "المدفعية حرة" أو "المدفعية مقيدة" وكثيرا ما كان يزعجنا الرمز الثاني خاصة عندما كنا  نشاهد العدو المتغطرس يتحدى المصريين فكثيرا ما كان يرمي بدباباته على أهداف مصرية مدنية مثل قوارب الصيادين بالقرب من بور توفيق فنطالب قيادة اللواء بالتدخل لدى القيادة المصرية لتحرير مدفعيتنا بدلا من تقييدها..." (ص 182).

العم حمدان الإسرائيلي يخاطب الجيش الجزائري

كان واضحا قلق القوات الإسرائيلية من سرعة وصول القوات العربية المساندة للجبهة المصرية وخاصة القوات الجزائرية وهو ما رفع معنويات الجيش والشعب المصريين، وحتى بعض الدول العربية الأخرى التي سارعت بدورها إلى إرسال كتائب مساندة للجبهتين المصرية والسورية في حين اكتفت دول عربية أخرى بالدعم المالي والدبلوماسي، وهو ما عمل الإسرائيليون على محاربته لأن الحرب النفسية كانت في غاية الأهمية بالنسبة لهم، وهي سلاح فتاك استعملته إسرائيل دائما ضد العرب في كل حروبها معهم.

 

ومن هذا المنطلق كشف العقيد محمود ملاوي في كتابه هذا كيف سارع الإسرائيليون إلى تخصيص حصص إذاعية موجهة لمضارب القوات الجزائرية بمنطقة "السويس" ومنطقة "فايد" و"البحيرات المرة" قرب الإسماعيلية، وكان المذيع باللهجة العربية المغربية يسمي نفسه بالعم حمدان يدعو الجزائريين إلى الانتباه إلى الورطة التي يدفعهم إليها كل من عبد الناصر وبومدين: "... أيها الجزائريون المغرر بهم أنتم أبطال قمتم بثورة عظيمة حررتم وطنكم الجزائر، فما الفائدة لوقوفكم بجانب المصريين الذين لا تعرفونهم كما نعرفهم نحن حيث أنهم لا يستحقون أن تموتوا من أجلهم..." (ص 198).

والغريب أنه لحد الآن لا تزال الماكينة الإسرائيلية الحاكمة تعطي جهدا كبيرا للحرب الإعلامية والنفسية حتى في أوقات الهدنة و"السلام" لأن تكسير نفسية الإنسان العربي، وتفجير أواصر المحبة والوحدة بين شعوب المنطقة، يُعد سلاحا فعالا لإجهاض اي جهد نضالي حربي أو مدني يمكنه أن يكون مصدر قوة لشعوب المنطقة وبالتالي مصدر تهديد وخطر على الكيان الصهيوني المحتل.

المصريون للجزائريين: شكرا لكم

بتأثر واضح حملتها عباراته روى العقيد ملاوي عن صفحات الحب والتعاطف التي لمسها من المواطن المصري والجندي المصري البسيط عبر المدن والقرى القريبة من قناة السويس، حيث تواجدت القوات الجزائرية، وكيف كان سكان السويس يتفاعلون مع معارك المدفعية شبه اليومية بين القوات الجزائرية والإسرائيلية، بفرح غامر بانتصاراتهم وتدمير مرابض العدو العسكرية، وحزن وأسى على شهداء الغارات الجوية كما حدث مع الشهداء الجزائريين الثلاثة من الكتيبة 11 في الأيام الأولى لتمركزها قرب مدينة السويس (ص 178).

وكان الكثير من المدنيين المصريين يسخرون من الجنود والضباط المصريين بعد هزيمة حزيران 1967، وينعتونهم بالجبناء، في مقابل إشادتهم بالقوات الجزائرية التي تتشكل في معظمها من المجاهدين السابقين في الثورة التحريرية، والذين أهم ما يتميزون به هو الروح القتالية والفدائية العالية (ص 194).

ولا يزال الكثير من كبار السن المصريين من سكان الإسماعيلية والسويس وما بينهما من قرى وعزب يتذكرون دور القوات العربية ـ وفي القلب منها الجزائرية ـ في توقيف التمدد العسكري الصهيوني غرب القناة والدماء الزكية التي خضبوا بها رمال أرض الكنانة.

ولم ينس الكاتب أن يروي جزءا من يومياته مع الفلاحين المصريين البسطاء والذين كان الكرم والجود شيمتهم الأساسية رغم الفقر والعوز الذي كانوا يعيشون فيه، وتأثرهم بمغادرة قوات اللواء الرابع في 1967 بعد استبداله باللواء الأول الذي كان يقوده العميد عبد القادر عبد اللاوي ويساعده عدد من الضباط الشباب في ذلك الوقت ومنهم المرحوم أحمد قايد صالح وعبد الله بومدريس وغيرهما (ص 199).

وتبقى فلسطين في قلوب الجزائريين
 
يبدي كثير من الإعلاميين والساسة العرب وخاصة من الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني استغرابهم من وقوف الجزائر الرسمية والشعبية الثابت حتى الآن إلى جانب القضية الفلسطينية واعتبارها قضية مركزية للجزائر وللأمة ككل، وأن تحريرها مسألة جزائرية كما هي فلسطينية وعربية ـ إسلامية، وهو شعور قد لا يفهمه إلا من جرب ويلات الاحتلال مثل الاحتلال الفرنسي الغاشم للجزائر، وقام بثورة مثل ثورة المليون ونصف مليون شهيد، هذا فضلا عن صفاء النظرة المبدئية إلى القدس وبقية المقدسات، والنظرة الإنسانية إلى الظلم والاستعمار.

يحتاج الكثير من الزعماء العرب أن يقرأوا بتمعن مثل هذا الكتاب الحافل بالنخوة والبطولة العربية المحبة الخالصة للأمة وشعوبها، لعلهم يتلمسون بعض الذي فقدوه في ذروة الانبطاح المخل بالحياء الذي ينخرطون فيه اليوم.