• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
08:14 ص - الإثنين 02 / أغسطس / 2021

هل بدأت بالفعل ؟!

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين

إن الطموحات الجيوسياسية المتصادمة للدولتين تغذي خصومة قد تكون أشد خطورة من الحرب الباردة الأصلية .

 

الصحيفة : " ذا ديبلومانت "

الكاتب : الدكتور" آلان دوبونت " : زميل أبحاث في مؤسسة هينريتش و المدير التنفيذي لشركة الاستشارات في مجال المخاطر الجيوسياسية ، و كان مستشارا لعدد من وزراء الدفاع  و الخارجية الاستراليين .

التاريخ : July 08, 2020

 

إن الصدع بين الولايات المتحدة و الصين يهدد بالتحول إلى هوة شاسعة ، فبالكاد يمر يوم واحد دون تبادل انتقامي للانتقادات اللاذعة أو الإتهامات أو أي أعمال تجعل الحياة صعبة على الدولة الأخرى ، و لا يخلو الأمر أيضا من التغني بتفوق الأنظمة السياسية لكل منها على الأخرى .

فلقد انتقدت الولايات المتحدة الصين بشدة بسبب التعقيم القسري لنساء الايغور؛ و مارست الضغوط على أوروبا لحملها على حظر شركة الفحص الأمني الصينية " نوكتيك " ؛ و فرضت قيوداً على منح تأشيرات الدخول على المسؤولين الصينيين الذين يحملون المسؤولية عن قانون الأمن القومي الجديد في هونج كونج ؛ و فرضت أيضا قيوداً لمدة تسعين يوم على تأشيرات العمل الخاصة بالصحافيين الصينيين ، و في مقابل ذلك وصفت وزارة الخارجية الصينية الانتقادات الأميركية لسياسة الايغور بأنها " لا أساس لها من الصحة " في حين تقول لواشنطن بكل وضوح أن لا تتدخل في شؤون هونج كونج ، و لقد كانت بكين قد سحبت في وقت سابق أوراق الاعتماد الصحفية للصحفيين في ثلاث صحف أمريكية بارزة و هددت بوضع الشركات الأمريكية على قائمة الكيانات الأجنبية المحظورة .

و لقد تفاجأ كثيرون بهذا الانحدار السريع إلى الصراع بين الدولتين ، فالمنافسة الصينية الأميركية كانت في هذا القرن خاضعة لإدارة الحاجة إلى العمل الجماعي في إطار مجموعة من القضايا الاقتصادية و المالية و الجيوسياسية العالمية التي أجبرت كلا الدولتين على التعاون المشترك ، و لكن هذه الدوافع التعاونية اختفت بالكامل تقريبا بفعل تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن وباء فيروس كورونا ، الذي كشف عن عمق انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين .

و ترى بكين أن واشنطن عازمة على احتواء الصين لإطالة أمد انحدار سلطة الولايات المتحدة مع حرمان الصين من مكانتها التي تستحقها في العالم ، و يعتقد الأمريكيون بشكل متزايد أن بكين تهدد المصالح الأمنية الأمريكية ، و تقوض ازدهارها ، و تتدخل في ديمقراطيتها ، و تتحدى قيمها ، و يرون أيضا أن المشاعر المناهضة للصين توحد بين واشنطن المنقسمة و الحزبية .

 

و من بين المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الاختلافات المتصاعدة بشأن التجارة و التكنولوجيا مسؤولة في المقام الأول عن ارتفاع حدة الأعمال العدائية ، و لكن على الرغم من أهمية الحروب التجارية و التقنية بين الولايات المتحدة و الصين في حد ذاتها ، إلا أنها تشكل عَرَضاً واحدا فقط لانقسام جيوسياسي أعمق و أكثر خطورة يضرب بجذوره في الطموحات الاستراتيجية المتضاربة و الأنظمة السياسية المتباينة .

بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، فإن السباق مع الصين يدور حول معالجة أوجه عدم المساواة الملحوظة من خلال تسوية مجالات التجارة و التكنولوجيا وتعزيز الموقف الأمريكي كقوة عالمية عليا ، و يريد " شي جين بينج " أيضاً أن يصحح مظالم الماضي و أن ينتهز الفرصة في إعادة الصين إلى مكانتها " المستحقة " بوصفها الدولة المهيمنة في آسيا و في نهاية المطاف العالم ، و لكن الوقت ينفد من " شي " لكي يحقق شيئا من هذا الطموح فيهرب من فخ الدخل المتوسط بسبب الانحدار الديموغرافي ، و انخفاض الإنتاجية ، و انحدار قوة السياسة الخارجية الواثقة ، و إن التحول من التعاون إلى التنافس الاستراتيجي كان سبباً في إثارة مناقشة متزايدة الحِدة حول ما إذا كان العالم على حافة الهاوية بعد اندلاع حرب باردة جديدة ، و يدحض المتشككون هذه الحقيقة ، و لكنهم مخطئون .

و تجدر الإشارة أن هنالك ست حالات تشابه واضحة مع الحرب الباردة ، الأولى :  أن المنافسة بين الولايات المتحدة و الصين تدور بين الدولتين الأكثر قوة على مستوى العالم ، إحداهما ديمقراطية ليبرالية و الأخرى شيوعية ، و الثانية : أنها مسابقة على مستوى النظام بالكامل للفوز، و الثالثة : أن الأمر يدور حول القيم و القوة  ، و الرابعة : أنه سوف يكون هنالك نضال دائم لعدة عقود من الزمان في سبيل فرض الهيمنة العالمية ، و الخامسة :  أنه من المحتمل أن تكون هنالك حالة ثانية من الغضب الجيوسياسي في العالم ، و السادسة : ان كلا من الجانبين لا يريد مواجهة عسكرية شاملة ، باختصار ، ليس هذا هو صراع القوة الأعظم الذي من الممكن إدارته و التحكم فيه .

و هناك بطبيعة الحال اختلافات كبيرة بين البلدين فلقد حلت الصين في محل روسيا باعتبارها التهديد الرئيسي ، و لعبت المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي دوراً كبيراً في المجالين السياسي و العسكري ؛ ولم يكن هناك أي قدر يُذكَر من التجارة بين الكتلتين المتنافسين ، و لكن المنافسة الرئيسية بين الولايات المتحدة و الصين هي المنافسة الاقتصادية ، وهذا يعني أن التجارة و الاستثمار و التكنولوجيا و الصناعات الاستراتيجية تشكل أهمية مركزية في المنافسة اليوم ، و عند أعلى نقطة في هذا الصدد ، كان الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد السوفييتي 40% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة ،  و لكن الصين بلغت بالفعل 65% من إجمالي النمو ،  و هي تنمو بسرعة           ، و بين هذه الدول تشكل الولايات المتحدة و الصين نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ، و إذا عطس أي من هذين العملاقين فإن بقية العالم يصاب بالبرد و هو ما يحدث حرفياً في حالة الصين ، مع استمرار تأثير فيروس كورونا و مساهمته في إهدار الموارد على صحة و رخاء الملايين .

 

و رغم أن الحرب الباردة الجديدة بدأت تتجسد في مختلف أنحاء العالم ، فسيظل مركز ثقلها الجغرافي يتمثل في منطقة الهند و المحيط الهادئ ، وليس أوروبا ، و ذلك لأن مركز التجارة العالمية انتقل من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ ، الأمر الذي يعكس صعود آسيا وانحدار أوروبا ، فالولايات المتحدة و الصين قوتان من قوى منطقة المحيط الهادئ ، لذا فإن الخصومة بينهما سوف تكون أكثر حدة في الهند و المحيط الهادئ ، و خاصة في البحر، حيث تتصادم مصالحهما و هناك العديد من الدوافع المحتملة لمواجهة عسكرية ، و تُعَد كوريا الشمالية و بحر الصين الشرقي و الجنوبي المرشحين الأكثر ترجيحا ، ولكن تايوان و هونج كونج من المحتمل أن تكون ساحات للصراع أيضا ، و ليس فقط بسبب أهميتها السياسية ، فتايوان دولة منتجة للتكنولوجيا الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة و الصين ، و هونج كونج هي البوابة المالية الصينية إلى العالم و الدولار الأميركي ، الذي يظل العملة المهيمنة على التجارة الدولية .

و رغم أن الحرب الباردة أصبحت أدنى من عتبة حرب " ساخنة " كبرى ، و لكنها قد تسفر بسهولة عن حرب ما لم تدار بعناية ، و كثيراً ما تسبق التوترات بين القوى الصاعدة و القوى القائمة صراعا عسكريا أو فترة مطولة من المواجهة و عدم الاستقرار ، و بدون إخماد للشرارة المتقدة ، فإن تصعيد التوترات الصينية الأميركية قد يؤدي إلى تفاقم الحرب الباردة الناشئة سوءاً ، الأمر الذي ينذر بعصر من المنافسة الاستراتيجية المتصاعدة التي قد تؤدي إلى اضطرابات هائلة في التجارة الدولية و النظام العالمي .

و يشير السجل التاريخي للصراع بين الطرفين إلى أنه بالرغم أن الحرب الساخنة ليست حتمية و لكنها احتمال وارد ، و لكن الأرجح أن هذا الصراع المتقيح سوف يستمر بين الولايات المتحدة و الصين ، و الذي سيظل أدنى من عتبة الحرب الكبرى و لكن سيتخلله صراعات بالوكالة ، و خاصة في الفضاء الالكتروني ، و رغم أن هذا قد يكون أكثر تآكل من تفجر ، إلا أنه قد يؤدي إلى فترة مطولة من المنافسة على السلطة العظمى ، و التي قد تدخر المكاسب الناجمة عن أكثر من سبعين عاماً من تحرير التجارة ، و تعطل سلاسل الإمداد العالمية ، و تفريق الإنترنت ، و تقسيم العالم إلى نظامين سياسيين متعارضين .

إن المشكلة الأساسية في العلاقات الأميركية الصينية تتلخص في الأنظمة السياسية و القيم المرتبطة بها ، و التي تتعارض بشكل تام مع هذا الحس ، و التي تفاقمت بفعل شعورها بالاستثنائية ، فمنذ الأزمة المالية التي اندلعت في الفترة ما بين  2008-2009 أصبح قادة الصين أكثر انتقادا لنقاط الضعف الملحوظة في الأنظمة الديمقراطية ، و أكثر إقتناعا بتفوق نموذجهم الاستبدادي ، الذي يميز الاستقرار السياسي و النظام الاجتماعي على حقوق الفرد و حرية التعبير.

 

 

و تصبح المشكلة أكثر حدة عندما يشك كل منهما في وجود منافس له يريد فرض عناصر غير مرغوب فيها من نظامه على الآخر أو الترويج لها دوليا ، و هذه التصورات تزيد من حدة التوترات بين الولايات المتحدة و الصين ، مما يزيد من صعوبة حلها ، لقد ظل قادة الصين لفترة طويلة حانقين إزاء ما يرون أنه تدخل غير مبرر في شؤونهم الداخلية و ميول الأميركيين إلى إلقاء المحاضرات عليهم بشأن سلوكهم و نظامهم السياسي ، و لكن الأمر قد انعكس كليا مع انتقاد إدارة ترامب للصين بسبب تدخلها في السياسة الداخلية الأميركية ، و لإدارتها للحرب السياسية ،  و محاولة تصدير نموذجها الاستبدادي إلى آخر .

كان الرئيس السابق باراك أوباما عادة يقلل من شأن القوة المتبقية الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة ، الأمر الذي غذى بشكل خاص الأسطورة التي تزعم أن صعود الصين أصبح مكبلا سلفا ، و لكن ترامب استولى على أرض نفسية عالية ، فسيطر على موجات الأثير، فأرغم الصين على اتخاذ موقف دفاعي و أثبت أن أي دولة أخرى لا تستطيع أن تضاهي القوة الاقتصادية و المالية و العسكرية التدميرية التي تحت تصرفه ، و الضعف الذي يعتري هذا التوجه يتلخص في ارتباط القوة الأميركية بسياسات " إفقار الجار" العقابية التي تعمل على تنفير الأصدقاء و الخصوم و الإسهام في زعزعة الاستقرار الشامل ، و إن الاعتراف الصريح بأن الولايات المتحدة و الصين خصمان الآن يشكل شرطاً أساسياً لازماً لتحقيق تسوية استراتيجية واقعية تعمل على تقييد خصومتهما و تتجنب أسوأ النتائج .

و من حسن الحظ أننا ما زلنا في موطئ قدم حرب باردة ثانية و بالرغم من إرتفاعها البارد إلا أن الوقت قد حان لاتهام منحنى العداء الحاد و عكس مسار الزخم نحو الصراع ، و هؤلاء الذين يزعمون أن الديمقراطية و الدولة الاستبدادية لا يمكنهم أبداً أن يجدوا التسهيلات المطلوبة و يتجاهلوا دروس التاريخ ، و على الرغم من الخلافات بينهما و عدد قليل من الدعوات الوثيقة ، إلا أن الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي عملا معاً لتجنب اندلاع حرب كبرى أثناء مواجهتهما التي دامت عدة عقود من الزمان .

 

ترجمة :

جهاد رياض أبوراس

facebook account : Jehad R Aburass

[email protected]