• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
01:31 ص - الأحد 26 / سبتمبر / 2021

رحيل رجل "المفاوضات"

ووجه الدبلوماسية الفلسطينية

ووجه الدبلوماسية الفلسطينية

كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) يطلق عليه على سبيل الممازحة، "شيطان أريحا"، في إشارة لقدرته على المناورة وإتقان أصول اللعبة السياسية، وهو "المفاوض" الذي وثق به "أبو عمار" في أشد لحظات الحصار ضده في مقر إقامته في المقاطعة برام الله حتى وفاته.  

اشتهر بعبارة "الحياة مفاوضات" في الأوساط الفلسطينية بعد أن أصدر كتابا حمل العنوان ذاته. 



تلقيه للعلاج في مستشفى "هداسا عين كارم" المستشفى الإسرائيلي الرئيسي في القدس وضواحيها، عرضه للانتقادات وهو الذي هاجم بشراسة وحزم عملية التطبيع بين الاحتلال الإسرائيلي وبعض الدول العربية. 

سكن صائب عريقات، المولود عام 1955 في بلدة أبو ديس بمحافظة القدس لأب مارس إدارة الأعمال في الولايات المتحدة، منزلا ورثه عن والده في أريحا بالضفة الغربية. 

حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة "سان فرانسيسكو" في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978. أرسلته جامعة "النجاح الوطنية" إلى جامعة "برادفورد" في بريطانيا وحصل منها على درجة الدكتوراه في "دراسات السلام" عام 1983. 



عمل بعد تخرجه محاضرا في جامعة "النجاح الوطنية" بين عامي 1979 و1990. كما أنه عمل صحفيا في صحيفة "القدس" الفلسطينية لمدة 12 عاما. 

دعا في مرحلة مبكرة من حياته إلى "المفاوضات كسبيل وحيد لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي" وافتتح عام 1983 برنامجا للتبادل الأكاديمي للحوار بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين. 

عين نائبا لرئيس الوفد الفلسطيني إلى "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1991 وما تلاه من مباحثات في واشنطن ما بين عامي 1992 و1993، ومن بعدها أصبح رئيسا للوفد الفلسطيني "المفاوض" عام 1994. 



عين بعدها وزيرا للحكم المحلي ضمن حكومات الرئيس الفلسطيني الراحل "أبي عمار" الخمس في الفترة ما بين عامي 1994 و2003. وفي عام 1996 منح لقب "كبير المفاوضين الفلسطينيين". 

انتخب عريقات عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني ممثلا عن دائرة محافظة أريحا في الانتخابات العامة عام 1996. وكان أحد الموالين المقربين من عرفات إبان "قمة كامب ديفيد" عام 2000 و"المفاوضات" التي أعقبتها في طابا عام 2001. 

عين وزيرا لشؤون المفاوضات ضمن حكومة محمود عباس عام 2003. كما أنه عين وزير دولة لشؤون المفاوضات ضمن حكومة أحمد قريع في نفس العام وحتى عام 2005، كلف خلالها بمتابعة شؤون وزارة الإعلام. 

واصل تسلمه للمهام المتعلقة بـ"المفاوضات" فعين رئيسا لدائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية.

 

اقرأ أيضا : تشييع جثمان عريقات بحضور عباس.. ودفنه بأريحا (شاهد)

 

وعين عضوا في مجلس الأمن القومي الفلسطيني، وأُعيد انتخابه عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني عن دائرة محافظة أريحا عام 2006. وفي عام 2009 اختير عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي أعلى سلطة في المنظمة. 

في عام 2011 قدم صائب عريقات استقالته من منصب رئيس "دائرة المفاوضات" الفلسطينية، بعد التحقيق الذي أجرته السلطة الفلسطينية في قضية تسريب "وثائق المفاوضات" لقناة "الجزيرة"، وأظهرت نتائجه أن هذه الوثائق أخذت من مكتب "دعم المفاوضات" الذي يرأسه عريقات، وردت المحكمة الدعوى التي رفعها عريقات على "الجزيرة". 

لكنه سرعان ما عدل عن قراره وتراجع عن استقالته. 

كانت آخر مواقفه قبل تدهور حالته الصحية مطالبته المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق في قتل "إسرائيل" إياد الحلاق وطالب برفع الحصانة عنها فورا ومحاسبتها.

 

وطالب بأن يصدر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بيانا بإدانة الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، أو الاستقالة من منصبه. وقال أيضا: "الإمارات كافأت إسرائيل ونتنياهو على جرائمهما، والاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، خرق فاضح لقرارات الجامعة العربية". 

وقال عريقات إن توقيع الإمارات والبحرين على "اتفاقيتي التطبيع" مع الاحتلال هو "توقيع على صفقة القرن"، مضيفا أنهما "وافقتا على أن يكون المسجد الأقصى تحت السيادة الإسرائيلية". 

واعتبر اللقاء الذي عقده رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا "طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني". 

لكنه عاد بعدها بأيام وغرد على حسابه في "تويتر": "من يريد من العرب تقديم أوراق اعتماد لواشنطن أو غيرها، أو يريد أن يمهد للتطبيع مع إسرائيل، يمكنه فعل ذلك دون التشهير بالشعب الفلسطيني ونضاله الأسطوري". 

إلى جانب شخصيته السياسية، عرف عريقات كمؤلف بعد أن أصدر 9 كتب أبرزها: "الحياة مفاوضات" عام 2008، وهو كتاب أكاديمي خصص بالأساس لطلبة الجامعات والمهتمين بمجال المفاوضات وخصص ريعه لطلبة جامعة "النجاح الوطنية" التي صدر عنها، وكتاب "بين علي وروجز" عام 2014. 

عريقات أكد في تصريحات سابقة أنه في إطار التحضير لإصدار كتب أخرى تتحدث عن مجريات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي انطلقت منذ مؤتمر مدريد. 

رسخ عريقات "فلسفته التفاوضية" وفقا لنهج السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية القائم على "أن انتزاع الحقوق الفلسطينية في هذه المرحلة من النضال لن يتم إلا بالتفاوض وتبيان الحجج والبراهين" وقد خالفه كثيرون من الفلسطينيين والعرب الذين رأوا "أن المفاوضات في ظل اختلال موازين القوى إنما تعني تقديم التنازلات الواحد تلو الآخر دون الحصول على شيء عملي نحو تحقيق حلم الدولة والاستقلال". 

صحيا تعرض عريقات عام 2012 إلى نوبة قلبية، وخضع عام 2017 لعملية زراعة رئة في مستشفى في ولاية فرجينيا الشمالية بأمريكا بعد معاناته من التليف الرئوي. وقبل رحيله أُعلن عن إصابته بفيروس كورونا، وجاء الإعلان على لسانه شخصيا وقال إنه يعاني من "أعراض صعبة" جراء إصابته بالفيروس المستجد بسبب ضعف حالته الصحية الناجمة عن "نقص مناعته نتيجة قيامه بعملية زراعة رئة".

ونقل عريقات من منزله في مدينة أريحا إلى "مركز هداسا الطبي" الإسرائيلي، ووضعه الأطباء على جهاز التنفس الصناعي ودخل في غيبوبة طبية بعد تدهور حالته الصحية إلى أن أعلن رسميا عن وفاته على وقع فيروس كورونا. 

نعاه زعماء وقادة في الوطن العربي والعالم، ووصفه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بـ"القائد الوطني الكبير وشهيد فلسطين"، وقال إنه "أمضى حياته مناضلا ومفاوضا صلبا دفاعا عن فلسطين، وقضيتها وشعبها وقرارها الوطني المستقل". 

كان يزمع إطلاق رؤيته لإفشال "صفقة القرن" التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومواجهة المشروع الإسرائيلي لضم الأراضي الفلسطينية، ودعا إلى خطة عمل فلسطينية بحتة دون الاعتماد على أي طرف عربي أو دولي بهذه المواجهة. 

مثّل صائب عريقات وجه الدبلوماسية الفلسطينية في الوطن العربي والعالم على مدى نحو 30 عاما، وربما يحتاج الفلسطينيون والعالم إلى وقت ليس بالقصير للتأقلم مع غيابه.