• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
02:41 ص - الإثنين 23 / مايو / 2022

(تشريح للواقع والفواعل)

تفكيك المشهد الليبي

تفكيك المشهد الليبي

المقدمة

تعد ليبيا نموذجًا فريدا للدولة في العصر الحديث، حيث ظلت لعقود دولةً بلا دستور أو مؤسسات حاكمة وبلا هيكلية سلطة واضحة ومفهومة، بالإضافة لانعدام الحياة السياسية فيها بشكل تام. فلم تُجرَ فيها انتخابات من أي نوع خلال مدة ناهزت نصف قرن تقريبا. وكانت الأحزاب والتيارات السياسية مجرمة بأنواعها. ولم تتأسس حتى أحزاب سياسية مؤيدة للنظام الحاكم. فوفقًا لفلسفة معمر القذافي التحزب يُعد خيانة، وهو الأمر الذي أفقر الثقافة السياسية في المجتمع، وصنع دولةً تفتقر لأدنى مقومات الشرعية، وخلق مناخا سياسيا سِمَـتُهُ الأبرزُ هي الفوضى استمر طوال حقبة حكم معمر القذافي. وبتفجر أحداث ثورات الربيع العربي برزت ليبيا كنموذج فريد مرة أخرى لخصوصية حالة الدولة. حيث ورث الشعب الفوضى التي عمت مؤسسات الدولة ونظامها الإداري والسياسي فبرز الاحتياج لخبرات إدارية وسياسية وبيئة خصبة للعمل السياسي وثقافة شعبية تعزز من قيم الوحدة والعمل الجماعي. وهو الأمر الذي افتقدته معظم مكونات الثورة.

 شكَّل الانقسامُ التاريخي للبلاد بين الشرق والغرب عاملا مهما في رسم ملامح المشهد السياسي بعد سقوط النظام بالإضافة لعامل انتشار السلاح والتدخلات الخارجية وغلبة المنطق القبلي والجهوي والمصلحة الفردية على العمل السياسي كنتيجة للانقسام الذي عزَّزه النظام بين المكونات الاجتماعية طوال حكمه الذي استمر  42 سنة. كل هذه العوامل كانت سببا في انقسام البلاد على نفسها وتفاقم حالة من التشظي الاجتماعي والسياسي فأصبح المشهد الليبي عسير القراءة على المتابع من الخارج لكثرة العناصر الفاعلة فيه وافتقادها لنهج سياسي واضح مما دفعها لتغيير ولاءاتها وإعادة التموضع في تحالفات مختلفة مع بداية كل مرحلة جديدة .

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار  على المشهد السياسي والأمني، في محاولةٍ لتقديم رؤية شاملة للأحداث بالمرور على المحطات الرئيسية والفاعلين الرئيسيين خلال السنوات الماضية، وشرح التفاصيل المهمة فيها. كما سيقدم التقرير في بدايته استعراضًا تاريخيًّا موجزا لفترة حكم القذافي لفهم تركيبة “نظامه” والتغييرات الجذرية التي طرأت على هيكل الدولة وعلاقاتها الخارجية وممارسات نظام القذافي الأمنية وتطور مظاهر الاحتجاج وما صاحبها من تغييرات، والظروف والعوامل الداخلية والخارجية التي مهَّدت لإسقاطه في ثورة  17 فبراير.

أولًا: إنهاء الحياة السياسية في عهد القذافي وتفكيك الدولة

بدأ القذافي حكمه كأي حكم عسكري آخر بتعطيل الدستور وإنهاء الحياة السياسية في البلاد، لكن على عكس غيره من العسكريين لم يعمل القذافي على تقوية مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية ليُحكِمَ بها سيطرته على البلاد، وإنما عمل على تفكيكها وإضعافها عبر تشكيل كيانات موازية لا تملك صفة رسمية ولا تنضوي تحت مؤسسات الدولة كحركة اللجان الثورية وهي أشبه بتنظيم سياسي خاص يملك صلاحيات غير محدودة ونفوذا كبيرا على كل أجهزة ومؤسسات الدولة تقريبا. لم تخضع هذه اللجان لأي مؤسسة وكانت تتلقى أوامرها من القذافي فقط -خارج نطاق العمل المؤسسي وبعيدًا عن القانون والقضاء- ويقول عنها منصور الكيخيا في كتابه “ليبيا القذافي، سياسات التناقض” : (قرر القذافي منذ عام 1976 وقبل إعلان ما أسماه قيام سلطة الشعب، تأسيس طليعة سياسية أخذت شكل “لجان ثورية” تتلقى تعليماتها منه وحده، كما تكون مسؤولة أمامه وحده، وتقدم تقاريرها إليه مباشرة وتكون موازية لهياكل السلطة الشعبية و متغلغلة في كافة مفاصلها وتتحكم في حركتها وقراراتها…وعادة ما تكون للّجان الثورية الكلمة الفصل بالنسبة لموضوعات تتراوح بين ما يجب أن يدرسه الطلاب في المدارس والجامعات أو من يجب اختياره لأي منصب في اللجان الشعبية من قبل المؤتمرات الشعبية الأساسية. لقد تحولوا إلى “مصفاة” مهمتها إزاحة كافة العناصر غير الثورية من جميع المناصب في الحكومة الليبية)[1].

وقد برر القذافي هذه الفوضى والسلطة المطلقة الممنوحة لها بأن الثورة لا تنتهي وأن الكيانات والقيادات الثورية لا علاقة لها بالحكم وإنما تعمل على توجيه المؤتمرات الشعبية (البرلمان) واللجان الشعبية (الحكومة\الجهات التنفيذية) فهو ليس رئيسا للبلاد وإنما مرشد وقائد للجان الثورية. ويلخص القذافي مهام اللجان الثورية في 7 نقاط أشار لها في مؤتمر 1977:

  1. ترسيخ سلطة الشعب.
  2. ترشيد اللجان الشعبية (الجهات التنفيذية).
  3. تحريض الجماهير على ممارسة الثورة.
  4. تحريك المؤتمرات الشعبية (الحكومة).
  5. الإشراف على تصعيد المسؤولين (أي اختيار المسؤولين).
  6. ممارسة الرقابة الثورية.
  7. حماية الثورة والدفاع عنها[2].

هذا التنظيم الذي شكله القذافي بانتقاء رجاله ونسائه عبر التنظيم الشعبي في 1970 والاتحاد الاشتراكي في 1971، كان له الدور الأهم في تفكيك مؤسسات الدولة وتشكيل جماهيرية القذافي الجديدة. وعن هذا يقول ديرك فاندويل في كتابه “ليبيا منذ 1969، عودة لثورة القذافي”: (لقد كانت اللجان الثورية مسلحة بشرعية الثورة وكانت تهيمن على عملية إصدار القرار في كل مؤسسات الدولة تقريبا –باستثناء قطاع النفط والمؤسسة العسكرية- . ومنذ  عام 1979 هيمنت اللجان الثورية على الحياة السياسية، وأصبحت مهمتها الأساسية حماية النظام وقد ساهم في هذا تبعية هذه اللجان لمكتب القذافي بشكل مباشر وكونها مكونة من أتباع مخلصين لعقيدة القذافي .. وقد قدَّر الدكتور محمد خلف الله في 2002 أن عدد عناصر اللجان الثورية يقدر بستين ألف عنصرٍ. وكانت هذه اللجان الثورية مسلحة تسليحا جيدا ومدربة وقد أظهروا كفاءتهم بتصديهم لانقلاب 1984 الذي قامت به الجبهة الوطنية للإنقاذ .. وقد منح القذافي  اللجان الثورية صلاحيات مطلقة في القبض على “أعداء الثورة” والتحقيق معهم وتصفيتهم، كما منحهم صلاحيات قضائية لإنشاء محاكم ثورية والتي أدت لحوادث قتل عديدة من 1980 وحتى 1986)[3].

لعبت اللجان الثورية منذ عام 1977 دورا أساسيا في الفصل بين السلطة الرسمية والسلطة غير الرسمية في ليبيا. وتم توظيفها كأداة لضرب أي مجموعة تهدد النظام بما في ذلك الجيش، ولم تقتصر مهمة التفكيك على كيانات الدولة الإدارية بل توسعت لتشمل كل جهة لا يأمن القذافي جانبها كالصحف، والنقابات العمالية، واتحادات الطلبة، والمؤسسات الخاصة، إذ كان يرى القذافي أن الثورة لابد أن تكون شاملة فهي ثورة على كل ما كان قبله من أفكار ومؤسسات ونمط حياة. ومن هذا المنطلق بدأ القذافي عملية إعادة هيكلة سياسية\اجتماعية\اقتصادية – وفقا لنظرية سماها النظرية الثالثة[4]– بوسائل تباينت بين التصفية والاعتقال ومصادرة الأملاك تارة والخطب والمؤتمرات – التي حلت محل القوانين- وتشكيل كيانات ثورية تؤسس النظام الجماهيري تارة أخرى.

بعد إطلاق القذافي ما سماه الثورة الشعبية في 1973 هاجمت اللجان الثورية الجامعات والمعاهد والنقابات والإذاعة وبقية المؤسسات الإعلامية، كما داهمت المكتبات والسجل العقاري وأحرقت الكتب والوثائق العقارية وهو ما كان بمثابة إعلان بداية عصر الفوضى والتفكك الذي امتد لأربع عقود تقريبا، وبحلول منتصف الثمانينات كان القذافي قد ألغى الدستور، وجرَّم الأحزاب والعمل السياسي، وفكك الجيش والقضاء، وألغى القوانين، وأمَّم الشركات، وأطلق يد اللجان الثورية في عمليات التصفية الجسدية داخل البلاد وخارجها، وجرَّد أكثر من 80 ألف عائلة من أملاكها[5]. وفكك النقابات العمالية واتحادات الطلبة، وسن قانون العقوبات الجماعية الذي يقتضي معاقبة أسر وأقرباء المعارضين موسعا بذلك رقعة أعداء “الثورة” لتشمل حتى من لم يكن له نشاط سياسي ،فأصبحت البلاد في حالة فوضى تامة.

لم يُبقِ القذافي على أي هامش من الحقوق واتخذ إجراءات راديكالية امتدت لتنال كل من لم يؤمن بنظرياته وكتابه الأخضر. وبهذه الوسائل خلق القذافي دولة ومجتمع يتماشيان مع رؤيته وأحكم قبضته على البلاد عبر زرع اللجان الثورية -التي كان يشبهها بملائكة كتابة الأعمال والصحابي أبي بكر الصديق- في كل مكان وسلطها على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها. وحتى يُقدِّر القارئ حجم الفوضى ويفهم الحالة النفسية للقذافي والمناخ السياسي والأمني المخيم على البلاد آنذاك سنستعرض أجزاءً من خطاباته في تلك الحقبة:

خطاب للطلبة في 7إبريل 1976: أريد ثورة ثقافية تغسل مخكم العفن هذا ،وإذا كان عدو الثورة سيقود الطلبة فأنتم جميعا قطيع غنم، أنا قرأت بعض النشرات التي يكتبها بعض الهلافيت من الجامعة، وقد جاء الوقت لقطع أيديهم ثم رقابهم… إن الذي يحدث الآن هو تشكيل “لجان ثورية” في كل كلية من الكليات، تقوم بتصفية القاعدة الطلابية وهيئة التدريس .. إن أرادوها بسلام وإلا فلتكن بالدم .. لابد من تشكيل لجان ثورية في كل مكان ومهمتها تنقية القاعدة الطلابية وتنقية هيئة التدريس[6].

خطاب في 7 فبراير 1978 : اللجان الثورية ليست لجانًا إدارية، أو لجانا شعبية كما هو معروف بهذا الاسم، ولكن هي لجان ثورية، لا تصدر قرارات، ولا تعزل، ولا تحبس وتطلق [سراح]، ولا تحاسب، ولكنها تراقب رقابة ثورية، ولا تحاكم أحدا، اللجان الثورية تقيّم تقييمًا ثوريًّا وتقوم بقيادة الجماهير في اتجاه تأكيد سلطة  ..إن اللجان الثورية هي التي ستشرف على إعادة اختيار قيادات المؤتمرات الشعبية في جميع أنحاء الجماهيرية. وعلى اللجان الثورية في كل مكان من الجماهيرية أن تستنفر كل قواها، وأن تكون على مستوى هذه المهمة الثورية العظيمة[7].

خطاب في 9 إبريل 1979: المطلوب هو سحق أعداء الثورة في الداخل والخارج، من يريد أن يتحدى الثورة من الداخل فهذا أمره مفروغ منه سنداهم موقعه ولو كان مسجدا. وإذا كان في الخارج علينا أن ننتقل إليه في الخارج وننفذ فيه حكم الإعدام. عليكم أنتم اللجان الثورية أن تنفذوا هذا الحكم ولو كان في القطب الشمالي أو الجنوبي .. نحن نعدم الأبرياء أحيانا بقصد إرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لا يكون معروفا في تلك الفترة.

ثانيا: الاحتجاجات الشعبية ضد القذافي

بدأت الاحتجاجات على سياسات القذافي ونظرياته منذ السنوات الأولى، واتخذت أشكالا متعددة على مراحل. فاتسمت الاحتجاجات الشعبية واحتجاجات المعارضة بالسلمية حتى 1980، واقتصرت مظاهر العنف في فترة السبعينات على ممارسات النظام مع المعارضين بأطيافه، حيث قام القذافي منذ السنة الأولى بمحاربة الحركة الطلابية وشن حملة على الإسلاميين بأطيافهم بدأها بتسليم عناصر من جماعة الإخوان لنظام عبد الناصر بعد انقلابه مباشرة وبلغت ذروتها إثر إعلان “الثورة” الثقافية في 1973 [8]، فلم يستثنِ من هذه الحملة أي طيف من أطياف المعارضة فاعتقل قادة الحركة الطلابية وأساتذة الجامعات وأعضاء الجماعات والتجمعات الإسلامية، كما تم القبض على أغلب الشخصيات المستقلة المحسوبة على التيار الإسلامي، وبهذا تمددت حالة القمع تدريجيًّا لتشمل شريحة كبيرة من المجتمع، وفي ظل هذا المناخ بدأت حقبة جديدة من المواجهة مع النظام تصدرها الإسلاميون أفرادا وجماعات.

تخلل الاحتجاج السلمي للمعارضة احتجاجات “عنيفة” من داخل النظام تمثلت في محاولات انقلاب فاشلة على القذافي بدأت بمحاولة وزير الدفاع المقدم آدم الحواز ووزير الداخلية موسى اللحاسي في 1969 والتي أعدم القذافي على إثرها عشرات الضباط[9]، ثم تلتها محاولة انقلاب فاشلة أخرى خطط لها عبد الله عابد السنوسي ابن عم الملك السابق في 1970 واعتُقِل على إثرها المئات من أبناء عمومته في سبها، كما فشلت محاولة أعضاء مجلس قيادة الثورة بقيادة عمر محيشي  في 1975 -الذي ذُبح حرفيا- بعد تسليمه من قبل دولة المغرب مقابل 200 مليون دولار  ومليون برميل نفط ومليون طن قمح –حسب شهادة عضو مجلس قيادة الثورة عبد المنعم الهوني الهوني وشهادة عبد الرحمن شلقم مندوب ليبيا في الأمم المتحدة[10]، كما فشلت محاولة رئيس الأركان السابق الأطيوش في 1980[11]، تبعها فشل انقلاب إدريس الشهيبي -مسؤول أمن القذافي في طبرق في 1980. ويقدر عدد محاولات الانقلاب على القذافي من داخل النظام ست محاولات آخرها محاولة تمرد -مجهولة التفاصيل- في مصراتة خلال عام 1994 .

كانت هذه المحاولات مؤشرا على احتجاج مبكر لمعظم العسكريين المشاركين في انقلاب 1969 على استفراد القذافي بالسلطة ونظرياته الشاذة وممارساته القمعية التي بدأت منذ السنة الأولى بعد الانقلاب بتوجيهات من عبد الناصر وهيكل –حسب شهادة اثنين من رفاقه عبد المنعم الهوني وعوض حمزة[12] – إلا أنها محاولات انقلاب لم تحظَ بزخم شعبي ربما لكونها من داخل النظام أو لطبيعة العمل الأمني.

وبحلول بداية الثمانينات تحولت معظم المعارضة بأطيافها إلى العمل العسكري والأمني باستثناء بعض الحركات غير  الفعالة وجماعة الإخوان المسلمين التي آثرت الاستمرار في نهج المعارضة السلمي وتكثيف النشاط الدعوي السري والأعمال الخيرية [13].

ومن أبرز كيانات المعارضة آنذاك “الجبهة الوطنية للإنقاذ” وهي حركة المعارضة الأكبر والوحيدة التي حظيَت برعاية دولية وإقليمية حيث رعتها وساعدتها دول إقليمية وعربية مثل السودان وتشاد والمغرب والجزائر والعراق كما أنها حظيت بدعم وتشجيع دولي من الولايات المتحدة وبريطانيا وكان لها عمليتان استهدفتا اغتيال القذافي : عملية باب العزيزية 1984 وعملية 1993 التي شارك فيها عسكريون من النظام -جرى إعدامهم – وباءت المحاولتان بالفشل بسبب وشايات وتسرب معلومات[14].

أما النصيب الأكبر من المواجهة مع النظام ومحاولات اغتيال القذافي كان من نصيب الإسلاميين، حيث شهدت فترة الثمانينات والتسعينات عدة محاولات لاغتيال القذافي وعمليات استهدفت رؤوس النظام ومراكزه الأمنية. وكان للجماعة الإسلامية المقاتلة الحظ الأوفر منها حيث نفذت عمليات بارزة في أعوام 1986 و1987 و 1989 تعرضت على إثرها لحملات قتل واعتقال واسعة ففي عام 1989 شهدت البلاد أكبر حملة اعتقالات في تاريخها قبض فيها النظام على أكثر من خمسة آلاف من الإسلاميين.

عادت الجماعة للمشهد من جديد بعد ست سنوات بعملية استهدفت اغتيال القذافي في سرت 1995 وأخرى استهدفته في براك الشاطئ في عام 1996 وأخرى استهدفته في الجبل الأخضر في عام 1998. فبلغت محاولات اغتيال القذافي على يد الجماعة ثلاث محاولات ،كما كانت هناك  عمليات أخرى على يد كتائب الشهداء وأفراد من الإسلاميين لا ينتسبون لجماعات معينة كعملية اغتيال أحمد مصباح الورفلي -الذي كان يعتبر ذراع النظام اليمنى- في بنغازي 1986 [15].

و يمكن القول إن الإسلاميين وعلى رأسهم “الجماعة الإسلامية المقاتلة” حققوا أطول وأخطر تصادم مسلح مع النظام حيث استمرت عملياتهم طوال فترة الثمانينات والتسعينات على امتداد ليبيا، وأظهرت فيها هذه المجموعات القدرة على الاستمرار والانبعاث بعد تلقي ضربات موجعة من النظام تمثلت في حملات الاعتقال الواسعة – التي طالت حتى الأهالي -وعمليات الحصار التي استخدم فيها النظام الطائرات والمدرعات والأسلحة الثقيلة والغاز السام -كما في حصار درنة 1996[16] – وعمليات الإبادة الجماعية كما حدث في مجزرة أبوسليم (1996) [17].

ثالثا: العلاقات الخارجية في حقبة القذافي

 على صعيد الشأن الخارجي اتسمت علاقة القذافي بالدول المحيطة وغير المحيطة بالعدائية والتذبذب. ولم تكن لليبيا علاقات مستقرة مع أي دولة سوى إيران. فقد قطع القذافي العلاقات مع أكثر من 35 دولة، وفشلت كل تجارب الوحدة العربية التي أطلقها في صيغها الرباعية والثلاثية والثنائية مع مصر والسودان وسوريا وتونس والمغرب مما أدى لتوتر العلاقات وقطعها مع هذه الدول بل وصل الأمر لخوض نزاعات مفتوحة مع بعضها، فقد دعم محاولات الانقلاب على النميري ودعم جون قرنق والجيش الشعبي لتحرير السودان ثم لعب دورا مزدوجا في أزمة دارفور تارة بدعم الأطراف المناوئة لنظام البشير وتارة بالتوسط لإحلال السلام[18]، وتورط في الحرب الليبية-التشادية، ودعم الحركات الانفصالية في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية لزعزعة نظم الحكم[19]، ودخل في نزاع مع نظام صدام حسين فزود الإيرانيين بصواريخ بعيدة المدى خلال حربهم ضده[20]، ولعب دورا في الحرب الأهلية اللبنانية.

 كما تورط القذافي في محاولات اغتيال فاشلة منها محاولة اغتيال الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز، وملك المغرب الحسن الثاني، ومحاولات لإسقاط رئيس الوزراء التونسي الأسبق الهادي نويرة[21]. ولم تقتصر مغامرات القذافي على مناوئة نظم الحكم والرؤساء بل تجاوزتها لتنفيذ تفجيرات وعمليات اغتيال استهدفت المدنيين، فقام بتفجير مقهى في برلين عام 1986 وتفجير طائرة بانام 103 في حادثة اللوكربي الشهيرة في عام 1988، وتفجير طائرة فرنسية في أجواء النيجر عام 1980[22] كما كانت له يد في حادثة خطف وزراء النفط في فيينا 1975[23].

استمر نظام القذافي في عزلته الخارجية حتى نهاية التسعينات عندما بدأ بالسعي لتحسين العلاقات مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عبر تسويات مالية وتنازلات سياسية في ملفات كثيرة أهمها ملف النفط والسلاح. فوافق على دفع تعويضات ضحايا حادثة لوكيربي، وسلم المتهمين بارتكاب الحادثة للمحاكمة الدولية كما دفع تعويضات عن تفجير الطائرة الفرنسية وتفجير المقهى في برلين وقتل شرطية بريطانية[24] وسعى للتعاون مع الولايات المتحدة في ملف محاربة الإرهاب، وفتح البلاد للشركات الغربية، وفكك برنامجه النووي، وسلم الأسلحة الكيماوية، ووجه صفقات التسليح نحو الغرب،كما عزز من التعاون المخابراتي مع بريطانيا، ودعم ساركوزي وبيرلسكوني في حملاتهما الانتخابية[25]، وهو ما مثل تحولا جذريا في موقف النظام المعلن من هذه القضايا.

رابعا: حقبة الإصلاحات على يد سيف الإسلام

صاحب تغيرات السياسة الخارجية للنظام ظهور دور نجل القذافي سيف الإسلام في المشهد السياسي، وبروز بصمته بوضوح على سياسات النظام الداخلية، والتي تمثلت في :

  1. إنشاء صحيفتين ناقدتين لأوضاع البلاد والترخيص للكتّاب أن يعملوا فيهما.
  2. التصالح مع «الإخوان المسلمين» والإفراج عنهم من المعتقلات.
  3. الإفراج عن عدد من سجناء الجماعة الإسلامية المقاتلة واستصدار مراجعات فقهية من قيادات الجماعة[26].
  4. تعويض المواطنين المصادرة أملاكهم وأرزاقهم بقرار من القذافي في 1978.
  5. تعويض المعتقلين الذين اعتقلوا في السجن لسنوات دون إدانة.
  6. تعويض أهالي قتلى مجزرة أبوسليم.
  7. تعويض أهالي الأطفال المحقونين بدماء ملوثة بفيروس الإيدز[27].
  8. فتح المجال للتظاهر والمطالبة بالحقوق.
  9. فتح الباب للمعارضة في الخارج للعودة وإدماجها في مشروع ليبيا الغد[28].

تمكن النظام بهذه الأساليب وغيرها من تحييد  شريحة واسعة من المعارضة، ومن التخفيف من حالة الاحتقان الشعبي التي لم تلبث حتى تفجرت في 17 فبراير 2006 في شكل مظاهرات عنيفة بمدينة بنغازي استمرت عدة أيام راح ضحيتها 11 قتيلا ومئات الجرحى. وقد عمل النظام إثرها على احتواء المتظاهرين بتعويض أهالي القتلى ومعالجة بعض الجرحى في الخارج، فعزل أمين الأمن العام “نصر مبروك” ووزير الداخلية العميد “صالح رجب المسماري” وفتح تحقيق معهما.

هذه الخطوات (احتواء الغضب الشعبي عبر محاسبة المسؤولين،التعويض المادي، التغاضي عن الهتافات المطالبة بإسقاط القذافي -وهو ما كان يُعد سابقا جريمة تصل عقوبتها للتصفية أو المؤبد-)،عُدت تعبيرا عن التغير الذي طرأ على سياسات نظام القذافي في التعامل مع حالات الاحتجاج مع بداية الألفية الجديدة وبروز نجله سيف الإسلام في المشهد السياسي وظهور بصمته على سياسات النظام[29].

خامسا: الثورة الليبية والأيام الأولى

لم تنجح “إصلاحات” النظام في معالجة المشاكل الجذرية التي خلفتها تراكمات أربعة عقود من المظالم والفساد والفوضى، وبدأت إرهاصات الثورة الليبية منذ أواخر شهر يناير حيث ظهرت نداءات على مواقع التواصل تدعو للنزول للشارع والتظاهر، وسرعان ما توجت بمظاهرات سلمية شارك فيها عدد من الحقوقيين والمحامين يوم 14فبراير 2011 إلا أنها تطورت لمواجهة غير متكافئة بين المتظاهرين وكتائب القذافي الأمنية بعد قيام الأخيرة باعتقال وضرب عدد من النشطاء والمحامين الموكلين بقضية مذبحة أبوسليم. وبالرغم من بدء الاحتجاجات يوم 14 وسقوط أول أعداد من القتلى يوم  15 إلا أن الحملات الإلكترونية الداعية للانتفاضة والثورة كانت قد حددت تاريخ 17 فبراير يوما للثورة للإشارة إلى ذكرى آخر مواجهة عنيفة خاضها أهل بنغازي مع قوات الأمن في 17 فبراير2006،حيث شكلت رمزية تلك الأحداث التي ظلت عالقة في ذاكرة الشارع الليبي نقطة انطلاق وتجمع للحشد للثورة.

ارتكبت كتائب القذافي مجزرة بشعة أمام أسوار كتيبة الفضيل بوعمر -أهم وأكبر معاقل النظام الأمنية في بنغازي- حيث استهدفت المتظاهرين برشاشات مضادة للطيران من عيار 12.5 و14.5 و23 مم كما أنها استهدفت الجنائز والمتظاهرين في مناطق أخرى بالرصاص الحي مما تسبب في سقوط أكثر من 150 قتيلا خلال الأيام الأولى من الثورة[30]. وتطورت الأحداث وتركزت تجمعات المتظاهرين أمام مقر الكتيبة، وتمكن الثوار من اقتحام مكتب عبد الفتاح يونس -وزير الداخلية وآمر قوات الصاعقة- وطالبوه بإعلان انشقاقه مما سبب حالة ربكة للقوى الأمنية والعسكرية في بنغازي. وتمكن الثوار بالتوازي مع ذلك من اقتحام معسكر الكتيبة يوم 20 فبراير2011 مما كان بمثابة إعلان تحرير المنطقة الشرقية.

شكَّل سقوط الكتيبة يوم  20 فبراير علامة فارقة في مسيرة الثورة، فخرج عبد الفتاح يونس في اليوم التالي ليعلن انشقاقه عن النظام مما دفع مسؤولين آخرين على امتداد مراحل الثورة الأولى للانشقاق كعبد الرحمن شلقم -مندوب ليبيا في الأمم المتحدة- وعبد الرحمن العبار –النائب العام- وسليمان محمود آمر المنطقة العسكرية بطبرق وغيرهم من المسؤولين داخل البلاد وخارجها. كما أعلنت قوات الصاعقة عن انحيازها لمطالب الشارع وسعت لإخلاء معسكر كتيبة الفضيل أبوعمر ومسؤولي النظام بداخله دون اقتتال، ونجحت في إخراجهم من المدينة عبر المطار. وفي ظل انهيار منظومة القذافي في الشرق بين هارب ومنشق تحولت دشم ومخازن التسليح الضخمة بداخل الكتائب والمعسكرات لمصادر تسليح للثوار وهو ما شكل بداية المرحلة الثانية من الثورة.

تزامنا مع الانتفاضة في الشرق الليبي تحركت مدن المنطقة الغربية كمصراتة والزاوية والزنتان ومدن الجبل الغربي وطرابلس منذ الأيام الاولى،إلا أن قبضة النظام في الغرب كانت أقوى، ونجح في إخماد الاحتجاجات في معظم هذه المدن خلال الأيام الأولى، واستمرت معارك الكر والفر حتى سقطت أغلب هذه المدن بالحصار والقصف تباعا مما ألقى بعبء المعركة الأكبر على مدينة مصراتة التي لم تشهد المواجهات فيها انقطاعا منذ بداية الأحداث.

سادسا: المواجهة العسكرية والتدخل الدولي

انتقلت الثورة للمرحلة الثانية وحمل ثوار الشرق السلاح، وبدأوا بالحشد والتجهيز في معسكرات النظام للانطلاق نحو أجدابيا والبريقة وراس لانوف (مدن الهلال النفطي). ونجحوا في تحرير هذه المدن لكنهم سرعان ما وقعوا ضحية كمائن عسكرية فأُسر وقُتل عدد كبير منهم وتراجعوا لبنغازي. واستمرت معارك الكر والفر حتى 16مارس 2011 حيث شنت قوات النظام هجوما عنيفا على عدة جبهات شرقا وغربا، واستمر الهجوم لعدة أيام استعاد فيها النظام السيطرة على عدة مدن مثل أجدابيا والبريقة شرقا ونالوت وككلة غربا، لكن عجز النظام عن السيطرة على مدن كمصراتة والزنتان.

المرحلة الثالثة من الثورة الليبية

مثَّل تاريخ 19 مارس 2011 بداية المرحلة الثالثة من عمر الثورة إذ شهد في نصفه الأول مواجهات عنيفة ودامية مع قوات النظام شرق البلاد وغربها ثم شهد نصفه الثاني بداية من الساعة 6 مساءً انطلاق عملية “فجر الأوديسا” أو “الحامي الموحد” لتحالف الناتو بموجب القرار 1973 لمجلس الأمن والتي تولى تنفيذها بشكل أساسي كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وكانت هذه بداية التدخل الأجنبي الذي قلب الموازين العسكرية لصالح الثوار.

استمرت ضربات التحالف من الطائرات والبوارج الفرنسية والأمريكية والبريطانية، لكن كانت فرنسا الأكثر مشاركة وحماسة ففي حين أحجمت أوروبا والولايات المتحدة عن التدخل العسكري دفعت فرنسا بقوة نحو هذا الخيار، ونجحت في تمرير القرار بدعم بريطاني\أمريكي -لاحقا- كما أنها كانت أول من اعترف بالمجلس الانتقالي كممثل شرعي وحيد لليبيا. وكانت فرنسا سباقة في إرسال وفودها للبلاد، ولم تتردد -في مرحلة متقدمة من عمر الثورة- في تجاوز حدود تفويض عملية فجر الأوديسا لتنقل المهمة من حماية المدنيين وفرض حظر جوي إلى “إسقاط النظام” عبر تكثيف الضربات الجوية والبحرية على معسكرات قوات القذافي، وإرسال خبراء ومستشارين عسكريين لتقديم الدعم للثوار[31] .

تكبدت قوات القذافي خسائر كبيرة وأُجبرت على التراجع على إثر ضربات التحالف، ورغم تضعضع قوات القذافي وتراجعها، إلا أن ضربات التحالف في الجبهة الشرقية شهدت جمودا لفترة من الزمن، وتبع هذا الجمود ظهور خلافات بين أعضاء التحالف للعلن، فأعلنت الولايات المتحدة عن سحب معظم قواتها من المهمة وواجهت على إثر ذلك انتقادا فرنسيا لاذعا، لتعلن بعدها بأيام أنها لم تنسحب من المهمة بالكامل[32].

ومن خلال المواقف الدولية التي أحاطت بالأحداث آنذاك يمكن استشفاف أن الدول الرئيسية في التحالف لم تتفق على استراتيجية موحدة لهذه العملية، وفي مرحلة لاحقة بدا واضحا أن “المجتمع الدولي” لم يهدف ابتداءً  لإسقاط النظام وإنما لإضعافه عسكريا والضغط عليه عبر العقوبات لإيجاد “حل وسط”. ويعزز هذه المزاعم أن التدخل العسكري الغربي جاء بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الثورة وسط تردد وعزوف معظم الدول عن العمل العسكري. وقد سبق التدخل العسكري مساع دبلوماسية ومطالبات دولية وإقليمية متكررة للقذافي بالتنحي عن السلطة للوصول لحل وسط،فبعد اجتماع الاتحاد الأفريقي مع مسؤولين بريطانيين يوم 7 مارس 2011 أصدر بيانا يدعو فيه للحل السلمي في 11 مارس 2011، ودعت الجامعة العربية أيضا في اليوم التالي لإيجاد “حل وسط”. كما أكد على هذا المسار رئيس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 13 مارس2011 بعد اجتماعه مع الجامعة العربية في القاهرة[33]. وتتابعت الدعوات من أطراف دولية وإقليمية لدعم هذا المسار. ويبدو أن القذافي أوحى للأطراف الدولية عبر قنوات التواصل أن هذا ممكن حيث صرح رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون، الذي أقرّ بأن مبعوثي حكومة القذافي على اتصال بالعديد من أعضاء حلف الأطلسي،أن “حلًا قريبًا بدأ يتبلور”[34]. وبالنظر لموقف فرنسا الحماسي من التدخل العسكري مقارنة بالدول الأخرى كانت هذه التصريحات تعبيرا واضحا عن غياب إجماع دولي على ضرورة إسقاط النظام.

لم يعارض المجلس الانتقالي –ممثل الثوار السياسي- هذا المسار إلا أنه تكتم على هذه النوايا حتى جاء إعلان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا عبد الإله الخطيب الذي تحدث فيه عن نية الطرفين في الشرق والغرب البحث عن حل سياسي للأزمة. كما صرح مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي في وقت لاحق أنه كان يأمل أن يتم التوصل لحل وسط حيث قال في لقاء مع صحيفة المجلة في 21 أكتوبر 2013 : “كنت أعول على أن يكون خطاب سيف الإسلام متوازنا فلو خرج به على عامة الشعب لكان بإمكانه أن يخلف والده”،كما ذكر في نفس اللقاء أن مبعوث الأمم المتحدة عبد الإله الخطيب عرض عليه المصالحة مع النظام، فاشترط عبد الجليل إيقاف إطلاق النار وإخراج القذافي قواته من طرابلس. كما صرح أنه كان يعول على مسؤولين من النظام النظام لتولي زمام الأمور في المنطقة الشرقية وضرب مثالا بأبوزيد دوردة رئيس الوزراء الأسبق ومسؤول الأمن الخارجي في النظام وأكد أنه لو تولت هذه الشخصيات زمام الأمور لتمت المصالحة على حد تعبيره[35].

يؤكد هذا مسار الأحداث على الأرض، حيث شهدت عمليات حلف الناتو جمودا لفترة طويلة مما عطل تقدمات الثوار في الجبهة الشرقية. وقد ظلت الجبهة الشرقية مجمدة لفترة طويلة لأسباب مجهولة. وتم تعليل هذا الجمود آنذاك بكونه ضمن استراتيجية التدرج التي يتبعها الناتو، كما تم استهداف آليات الثوار حين حاول بعضهم التقدم دون تنسيق مع التحالف، وصنفت هذه الضربات المتكررة كضربات خاطئة لحلف الناتو[36].

جمود الجبهة الشرقية

جمود الجبهة الشرقية وشدة المعارك في مصراتة وتزايد أعداد القتلى فيها، دفع العديد من المقاتلين من شرق البلاد للتوجه نحو المدينة المحاصرة عبر البحر. ومع انتقال تركيز النظام من الشرق إلى الغرب ونقله قواته من سرت إلى مصراتة لاستعادة السيطرة على المدينة، واستمرار  تدفق الثوار عليها وشراسة المقاومة، فُرض واقع جديد أصبحت فيه المعركة على المدينة عامل حسم في نجاح الثورة أو فشلها. ورغم شدة المعارك منذ الأيام الأولى إلا أن حلف الناتو لم يبدأ بتوجيه ضربات لقوات القذافي المحاصرة للمدينة إلا يوم 12 إبريل 2011، وهو ما قوبل باستهجان من الثوار”[37]. وفي المجمل فإن الموقف الدولي من التدخل شهد ترددا وعزوفا كبيرا من معظم الدول –حتى تلك التي شاركت في القصف-كما أن الخلافات الدولية على قيادة العملية وتذبذب الموقف الأمريكي الداخلي سبب ربكة، وربما لولا الإصرار الفرنسي والتماهي البريطاني الأمريكي معه لم نكن لنشهد تدخلا عسكريا البتة.

بداية التمثيل السياسي للثوار

مع سقوط المنطقة الشرقية في يد الثوار برزت الحاجة لتمثيل سياسي يعبر عن مطالبهم. فأُعلن عن تأسيس المجلس الوطني الانتقالي يوم 28 فبراير 2011 بعد اجتماع في مدينة البيضاء يوم 23 فبراير 2011 عقده عسكريون ومسؤولون منشقون عن النظام وقادة قبائل وشخصيات محلية أخرى تفاوتت بين محامين ورجال أعمال ونشطاء. تشكل المجلس في معظمه من شخصيات منشقة عن النظام، فكان على رأسه مصطفى عبد الجليل –وزير العدل سابقا-، ووزير الداخلية عبدالفتاح يونس الذي أصبح قائدًا عسكريًا -إلى أن اغتيل في 28 يوليو 2011. وتولى إدارة المجلس التنفيذي محمود جبريل –أمين مجلس التخطيط والتطوير الاقتصادي- كما ضم  المجلس معارضين مغتربين كعلي الترهوني ومحمود شمام  وغيرهم من شخصيات لازالت مجهولة حتى اليوم، فالمجلس بدأ بثلاثين عضوًا وتضخم حتى تجاوز ثمانين عضوا كما أنه أبقى على سرية بعض أعضائه لأسباب أمنية آنذاك[38].

شاب هذا التمثيل الكثير من الغموض ونتج عن هذا توتر  وانعدام ثقة في المجلس من قبل أهالي بعض المناطق ومعظم الثوار المقاتلين ،إلا أن ضرورة المرحلة دفعت الجميع للتغاضي عن مخاوفهم المشروعة حتى يتم التحرير. وقد نجح المجلس الانتقالي على الصعيد الخارجي بسبب الدعم الدولي إلا أنه كان فاقدا للشرعية الثورية في الداخل لاكتظاظه بمسؤولين من النظام السابق وشخصيات أخرى صنفت “غير ثورية” في تقييم الشارع الليبي. وكان هناك فصام واضح منذ الأيام الأولى بين التمثيل السياسي للثورة وقواها العسكرية على الأرض. ومع سقوط نظام القذافي وتحديد منتصف 2012 موعدا للانتخابات، بدأت عمليات الاستقطاب السياسي والمناطقي وآثارها تظهر بوضوح.

سابعا: جذور الأزمة وأقطاب الثورة

خرجت قوى الثورة العسكرية من المعركة مع النظام أكثر قوة بعد استيلائها على ترسانة  أسلحة القذافي الضخمة. وكانت كمية السلاح الأكبر من نصيب مدن المنطقة الغربية التي حظيت بالنصيب الأكبر من القتال ضد النظام وخصوصا مصراتة والزنتان. ولعبت الكثافة السكانية وتركز جزء كبير من ترسانة النظام بمناطق محاذية لهذه المدن دورا كبيرا في هذا. ونظرا لتهلهل المؤسسات العسكرية والأمنية في عهد القذافي تولت هذه الكتائب مهام الأمن والعسكرة فور انتهاء الحرب. وبطبيعة الحال تضخم عدد التشكيلات العسكرية فور انتهاء الحرب وبرزت تشكيلات وشخصيات لم تشارك بشكل فعال أو لم تشارك مطلقا في الحرب التي استمرت 8 أشهر وقُدر عدد “الثوار” المسجلين رسميا بأكثر من 200 ألف بينما لم يتجاوز العدد الحقيقي على امتداد مراحل الثورة 30 ألفَ مقاتلٍ في كل أنحاء البلاد[39].

شكل هذا التضخم الغطاء المناسب لأزلام النظام السابق والمناطق الموالية لهم لإعادة إنتاج أنفسهم وتسليح مناطقهم وقبائلهم عبر الانضمام لهذه الكتائب وتشكيل تكتلات قوية داخلها. وقد سهل هذا كون هذه الكتائب مناطقية بالدرجة الأولى نتيجة عوامل عدة كالآتي :

  1. التركيبة الاجتماعية للبلاد، فالهوية القبلية تلعب دورا مهما في المجتمع الليبي.
  2. مسار الأحداث في الثورة، فالتشكيلات العسكرية تأسست على أساس الدفاع عن مدنها ومناطقها.
  3. السياسات المتبعة من قبل النظام السابق في تغذية النزعة المناطقية والقبلية باللعب على وتر الصراعات التاريخية وتناقض المصالح بين القبائل والأقاليم.
خريطة المكونات العرقية في ليبيا
خريطة المكونات العرقية في ليبيا

أشعلت هذه النزعة بالإضافة للجرائم التي ارتكبتها قبائل موالية للنظام خلال الثورة فتيل الصراعات المحلية بين المناطق، وكان لها بمعية الدعم الخارجي الدور الأهم والأكبر في تشكيل خارطة التحالفات في المراحل القادمة. وبالرغم من أن الاستقطاب الأيديولوجي والمصالح الحزبية لعبت دورا مهما في تشكيل المشهد أيضا إلا أنها كانت ثانوية في المراحل الأولى.

كحال المؤسسة الأمنية والعسكرية كان القضاء مؤسسة ضعيفة وغير موثوقة عند الليبيين مما جعل من عملية أخذ الحقوق بقوة السلاح ورد المظالم حالة سائدة. فتصاعدت أعمال العنف والانتقام التي جاء معظمها على شكل حوادث اغتيال لأعضاء اللجان الثورية وعساكر النظام السابق وضباط الأمن الداخلي وكان أبرزها حادثة اغتيال وزير الداخلية السابق عبد الفتاح يونس العبيدي والتي تبعها حوادث عنف وانتقام كان أبرزها اقتحام مسلحين لمبنى وزارة الداخلية لتحرير أحد المتهمين باغتياله كما تبع ذلك صدام بين تشكيلات من ثوار بنغازي وقبيلة العبيدات التي هددت بإغلاق النفط والطرقات ردا على اغتيال عبدالفتاح العبيدي [40].

انتشار السلاح في ظل المظالم المتراكمة عبر عقود وغياب مؤسسات الأمن والقضاء أدى إلى إنتاج ظروف غير مستقرة في البلاد، وسرَّع من الصدام بين قوى الثورة والكتائب والشخصيات المنشقة عن النظام خصوصا في شرق البلاد الذي تحرر في مدة وجيزة ولم يحظ بفرصة لغربلة صفوفه لاندماج مكونات المنطقة في وعاء الثورة.

انهالت التوصيات الدولية على المجلس الانتقالي بضرورة جمع السلاح وتفكيك ميلشيات الثوار ودمجها تحت قيادة “الجيش”[41] قبل أن تتوغل في مفاصل الدولة وتدخل خط العمل السياسي محملة بهذا الكم الهائل من السلاح، إلا أن هذا كان مستحيلا لعدة أسباب منها:

  1. غياب ثقة الثوار في تمثيلهم السياسي.
  2. التنافس القبلي والمناطقي على الريادة والمكاسب –والذي تحول لاحقا لنزاعات مسلحة وفرت غطاء لنزاعات أخرى.
  3. التخوف من عودة أزلام النظام السابق بثوب الثورة على رأس الأجهزة الأمنية والعسكرية.
  4. تمسك الثوار بالمكاسب المادية والسياسية التي حققوها حيث كانوا على يقين من ضياعها فور تسليمهم السلاح أو حل كتائبهم.
  5. تمسك الثوار بمطالبهم بتصفية الجيش من الرتب العليا وأزلام النظام.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالقلق من كل هذه القضايا العالقة (عودة الأزلام، التنافس ال