• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:10 م - الثلاثاء 06 / ديسمبر / 2022

في الذكرى السبعين للنكبة .. حقيقة المشهد ووضوح الصورة,,,

في الذكرى السبعين للنكبة .. حقيقة المشهد ووضوح الصورة,,,
4صورة الكاتب

خالد صادق

غزة - أخبار فلسطين

المشهد والصورة متلازمتان فالمشهد لنساء المخيم يجلسن أمام أبواب بيوتهن اغلب النهار, والصورة الحاضرة في أذهانهن تلك الأرض الفسيحة التي طردن منها واغتصبها جنود الاحتلال بقوة السلاح, امرأة تسند ظهرها إلى حائط منزلها المتهالك والمحشور في رواق من أروقة المخيم الضيقة, تنادي على جارتها كل صباح, إيش أخبار البلاد يا «غريبة الدار»؟ ثم يبدأ صباحها بلوم حكام العرب اللي «تركونا فريسه لليهود الملاعين», بالك يا جارة نرجع على بلادنا ونشوف بيوتنا قبل ما نموت, أي والله كل يوم بأحلم إني راجعه على بلادي, وان أبويا قاعد بيعزق في الأرض وإخوتي كلهم حواليه, قال والمختار اجا يعزم أبويا بسلامة العودة.   

 

سبعون عاما مضت على اغتصاب فلسطين, أجيال سلمت الراية أجيالا جديدة, لكن حلم العودة لم يمت, ولن يموت, سبعون عاما خطتها سنين العمر على وجوه اللاجئين والذين ارتحلوا من مكان لمكان على أمل العودة والاستقرار في أرضهم أرض الآباء والأجداد, أين يزرع اللاجئ خيمته بعد ان ضاقت به الدنيا على رحابتها, آه يا وطنا لا يقيم ولا يرحل! إلى أين تسوقك الأقدار؟ وأين ينتهي بك كل هذا الترحال عبر سنين طوال, هل لا زال الأمل يحدوك لتعود من جديد, الم يكسر عزيمتك كل هذا الجبن والخذلان والضعف والوهن الذي حل بالأمة وأصبح كالوباء يصيب الناس فيقعدهم عن واجبهم تجاه فلسطين الأرض والشعب والوطن السليب؟ 

 

دمعة تترقرق في عيني لأجيء كهل يهفو قلبه لرائحة البرتقال في حقول يافا الخضراء, ينزوي في ظل ثيابه الرثة ينزف دمعا, ثم يشرق وجهه بالأمل من جديد, فهو لا زال يحتضن البندقية, ويجهز الرصاصة في بيت النار, ويصوب الفوهة باتجاه الغاصبين, هل لا زالت الثورة تجتاحك أيها الفدائي المرصود, هل لا زال اسمك مطبوعاً في المطارات والموانئ وعلى صفحاتهم السوداء؟ هل لا زالت عيونهم المتربصة تطارد ظلك في كل مكان, هل لا زالت سجونهم وزنازينهم تبحث عن حدود جسدك لتكبل روحك الوثابة وساعدك المفتول, هل لا زال الموت يحيط بك من كل مكان وأنت الذي تبحث عن معنى الحياة الذي لا يعرفه سواك, وتتماهى مع نشوة الأمل واليقين, الم تفت في عضدك سبعون سنة عجاف خذلتك فيها كل جيوش الأرض من عرب وعربان؟ 

 

لا زال في الأرض متسع لشهيد, يمضي عبر مسيرة العودة الكبرى وهو يحمل وصية الآباء والاجداد, يلف مفتاح العودة حول هامته المنتصبة , ويحمل في جيبه الدامي حجة البيت وورقة الكوشان, يقبض عليهما بكلتا يديه ويضعهما في يد طفل يجاوره في الميدان وهو يحمل حجرا أو مقلاعاً, يخاطبه بدمه النازف ودمعته الأخيرة: أكمل المسيرة يا بني وأحفظ الوصية, بلغهم عني السلام واخبرهم ان طريقنا طويل يحتاج للبندقية, سلام عليك يا وطني السليب, يا وطني الغريب, يا وطني الحبيب, سلام عليك يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا, سلام على أرضك وسمائك, صبحك ومسائك, شمسك وهوائك, سلام عليك يا شعبي وأنت تناضل من اجل الحرية, تمضي رغم كل هذا الخذلان لتعلمهم ان الأرض لن تعود بالذل والهوان, وأنها تنتمي إلى مسيرة محارب ينتسب إلى كتيبة الأبطال الشجعان الذين يملؤون الأرض ثورة وحرية.   

 

المشهد يحضر اليوم في جحافل النصر المتجهة إلى مناطق التماس مع هذا الكيان المجرم, أمواج بشرية تغزو بوابات الوطن من الشمال والجنوب, تشق طريقها غير آبهة بالصعاب, والصورة تحرك الوجدان وتخترق عنان السماء, شعب لا يحمل إلا حجرا أو مقلاعاً, شعب مدجج بالإرادة, وعصابات مجرمة مدججة بشتى أنواع السلاح, أوكلت إليها مهمة سفك الدماء, وعالم تحكمه شريعة الغاب, ومجتمع دولي سياسته الصمت وسيادة الإدارة الأمريكية والاحتلال, ورغم هذا الخذلان لا تتوقف الحناجر عن الهتاف, عالقدس ريحين شهداء بالملايين, يا امتنا العربية .. السفارة الأمريكية.. في القدس الإسلامية.. , حنرددها جيل ورا جيل .. تسقط تسقط إسرائيل, يعلو الهتاف وتعلو رايات الوطن, ويتوارى المتخاذلون والعملاء والخونة, وينزوي الزعماء تحت كراسيهم الزائلة, ويعلو صوت الشعب الفلسطيني ليملأ الكون ثورة وحرية, فالحق يعلو ولا يعلى عليه.

 

لا زال في الأرض متسع لشهيد, محمول فوق الأعناق, يرسم بقطرات دمه خارطة الوطن السليب من البحر إلى النهر, يقود مسيرة امة تعاظمت ثوراتها من المحيط إلى الخليج, يفجر براكين الغضب وتتطاير حمم براكينه الثائرة لتزرع فينا ثورة لا تلين ولا تستكين, أيها الراحل ترجل من فوق الأعناق, وخبرنا عن معنى الانعتاق, علنا نستفيق من سباتنا العميق, ونمحو عن جبيننا وصمات الذل والهوان, نطبع بدلا عنها بصمات مضيئة يخطها كل الأحرار والشجعان, أيها الثائر المحمول فوق الأعناق, لا ترحل عن عالمنا قبل ان تمنحنا عفوك وتعلمنا كيف نحفظ الوصية ونحمل البندقية ونحرر أرضنا الفلسطينية.