• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:35 م - الأربعاء 29 / يونيو / 2022

ثــورة تحطــم نفسهــا!

ثــورة تحطــم نفسهــا!
4صورة الكاتب

جميل عبد النبي

بقلم : جميل عبد النبي

 

لم نسمع عن ثورة حطمت نفسها قبل إنجاز مشروعها التحرري كما فعلت الثورة الفلسطينية..! برغم كل التضحيات التي لا نستطيع إلا أن ننحي أمامها إجلالاً واحتراماً، والتي قدمتها كل الجهات التي شاركت فيما بعد في عملية التحطيم.

 

إن معادلة الواقع الفلسطيني تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، حيث لم يعد من المؤكد، إن كان هناك مخرج» ممكن» تستطيع فيه الجهات المعنية، اتخاذ خطوات معينة، فعلى ما يبدو أن كل الأطراف وصلت إلى نقطة اللاعودة، ما يعني استحالة، أو صعوبة، الوصول إلى مخرجات آمنة، يمكن جمع كل الأطراف عليها.

يستدعي فهم هذه الحالة الضبابية، عودة إلى الخلف، وربما تحديداً إلى ما قبل مؤتمر مدريد الذي عقد في أواخر عام 1991م

 

لم يكن الفلسطينيون قبل هذا التاريخ متفقين على فهمهم لطبيعة الصراع مع إسرائيل، ولا على ما يمكن قبوله من عدمه، ولم تكن الفصائل الفلسطينية- التي تحمل كلها اسم حركات تحرر- متوافقة على برنامج سياسي واحد، ولا على آلية لإدارة اختلاف البرامج، حيث كانت هناك منظمة التحرير، التي تنضوي تحتها مجموعة من الفصائل، كما كانت هناك حركتا حماس والجهاد الإسلامي، غير الممثلتين في منظمة التحرير، والمختلفتين- سياسياً- مع برنامج معظم فصائل المنظمة، وحتى داخل المنظمة ذاتها، لم تكن القرارات تؤخذ بالتوافق الحقيقي بين الفصائل الممثلة فيها، وكانت فتح- بحكم أنها التنظيم الأكبر على الساحة الفلسطينية- تسيطر كليا على قرار المنظمة.

 

لا شك أن الأحداث التي سبقت مؤتمر مدريد لم تكن مريحة للفلسطينيين، حيث شهد العالم انهيار القطب السوفيتي، الذي كان وجوده يسمح للضعفاء بهامش من المناورة، فيما يخص معاندة السياسة الأمريكية والإسرائيلية، ثم جاءت حرب العراق الثانية، التي فتحت بوابات التدخلات العسكرية في المنطقة بشكل أكبر فجاجة من ذي قبل،، دفع هذا الواقع الجديد الفلسطينيين إلى القبول بشروط تفاوضية ما كان يمكنهم قبولها لو كانت الظروف أحسن حالاً.

 

في كل الأحوال: ذهب الفلسطينيون، أو بالأصح، منظمة التحرير الفلسطينية إلى التفاوض، الذي أنتج بعد عامين من مدريد، ما عرف فيما بعد باتفاق أوسلو، الذي جاء بالسلطة الفلسطينية.

 

... من الملاحظات الخطيرة التي ساهمت فيما بعد بتوتير الساحة الفلسطينية.

 

لم يكن الذهاب إلى المفاوضات قراراً فلسطينياً توافقياً يمثل الكل الفلسطيني، كما لم تفرزه عملية ديمقراطية، يمكن للجميع أن يسلم بنتائجها، ولا حتى كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي ظل معارضة شديدة من حماس والجهاد الإسلامي.

 

لم تنجز المفاوضات أكثر من خطوات أولية، جاءت بالسلطة الفلسطينية إلى مربعات جعلتها أسيرة للتمويل الخارجي، المرهون بمدى تجاوبها مع ضغوط المانحين، ودون أي ضمانات لإجبار إسرائيل بأن تسير قدماً في إنجاح المفاوضات النهائية، حيث بدا واضحاً بعد ربع قرن من توقيع أوسلو، أن المفاوضات ستدور في حلقة مغلقة.

... دخلت السلطة التي لم تكن أيضاً ديمقراطية في تعاطيها مع مخالفيها، الذين أصلاً لم يستشاروا في قرار المفاوضات، ولم يوافقوا عليه، فاستمروا بمعارضته، ومحاولة تعطيله، كونه- حسب وصفهم- مسارا تصفوياً ضاراَ بالقضية الفلسطينية، واستمرت هي في محاولة قمع أي معارضة، واستمرت المفاوضات بالفشل، إلى أن بدأت فيما بعد انتفاضة الأقصى عام 2000م.

 

بعد خمس سنوات من انتفاضة الأقصى استطاعت فصائل المقاومة- وتحديداً حماس- تكديس كم من السلاح، يتفوق ربما على سلاح السلطة، خاصة في قطاع غزة..! ما جعل السلطة غير قادرة على إعادة الأمور إلى ما كانت عليها قبل عام 2000م

 

تم اتخاذ قرار الانتخابات، وقررت حركة حماس الاشتراك فيها، وكانت كل المؤشرات تشير إلى احتمال فوزها بالأغلبية، خاصة في الانتخابات المباشرة، التي كان واضحاً أن أصوات حركة فتح ستتوزع بين الفتحاويين المتنازعين، بينما كانت حماس موحدة، ولا وجود- تقريباً- لأصوات مهدورة خارج مصلحة قرارات الحركة.

 

لم تستمع حماس لأي نصيحة من مراقبين كثر، كانوا يحذرون من استدراجها إلى مربعات القيود الدولية التي جاءت بالسلطة، وفازت فعلاً بنسبة كبيرة، ما كان من الممكن أن تستطيع أي جهة تشكيل حكومة بدون حماس، فشكلت حماس الحكومة منفردة، وبدأت دوامة المناكفات التي قالت بوضوح: أن العالم لن يتعامل مع حماس، ولا مع فكرة الدمج بين السلطة والمقاومة التي كانت تروج لها حماس..! وبدلا من  أن تراجع حماس قراءتها لمعطيات المشهد، ذهبت في اتجاه ما أسمته حسماً عسكرياً، والذي أودى- لأول مرة- بمئات الأرواح الفلسطينية على أيد فلسطينية، وخرجت السلطة مطرودة من غزة، وهناك في الضفة قامت بكل ما تستطيعه تحاشياً لتكرار تجربة غزة، ودخلنا جميعاً في نفق الانقسام الذي يزداد قتامةً يوماً بعد يوم، والذي لم تفلح معه حتى الآن عشرات الاتفاقات في أن تعيد للفلسطينيين وحدتهم، التي فقدوها نهائيا في حزيران 2007.

 

الآن: ما هي السيناريوهات المحتملة للخروج من المأزق الفلسطيني، والتي يمكنها أن تصل إلى مصالحة حقيقية، أو مخرج لحياة الفلسطينيين البائسة في قطاع غزة، والتي ازدادت بؤساً مع ما عرف بعقوبات الرئيس عباس، أو مع معادلته الجديدة» يا بتشيلوا يا بنشيل»؟

 

استلام السلطة لقطاع غزة، مع بقاء سلاح حماس والجهاد خارج منظومة السلطة، وهذا ما يرفضه الرئيس عباس تماماً خاصة بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الحمد الله، وما لن يقبله العالم أصلاً من السلطة، حيث لا يزال العالم يصنف هذا السلاح بسلاح الإرهاب، ما يعني أن السلطة نفسها ستتعرض لضغوطات اقتصادية لن تقوى عليها، وسوف لن تستطيع تقديم نفسها كجهة باحثة عن السلام.

 

وضع السلاح تحت سلطة الرئيس عباس، وهذا ما لن تقبله حماس، التي لا تشعر بالأمان، خاصة بعد تفاقم حالة العداء بينها وبين السلطة، هذا ناهيك عن موقف الجهاد الإسلامي من هذه المسألة.

 

انفصال غزة، خيار ترفضه كل الأطراف- على الأقل رسمياً- ثم إنه لن يحل المشكلة، حيث سيطالب العالم دولة غزة الجديدة بأن تكون ديمقراطية، وسيكون من المحتمل أن تفوز في انتخاباتها حركة فتح، ما يعني عودتنا لمربع الانقسام الأول.

 

بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا ما لن يستطيعه الشعب الفلسطيني في غزة إلى فترات أطول، حيث معالم الانهيار واضحة في قطاع غزة في أكثر من مجال.

تصدير الأزمة في اتجاه الاحتلال، فكم من الوقت سيلهي هذا الخيار جوعى قطاع غزة عن الالتفات لآلام جوعهم؟

 

انتخابات ديمقراطية حقيقية، تتحكم الجهة المنتخبة بكل التفاصيل، بما فيها السلاح، سترفضه حماس والجهاد إذا كان سيعني إنهاء حالة المقاومة، وسيرفضه العالم إن فازت حماس وأبقت على حالة المقاومة.

 

تحتاج الحالة الفلسطينية إلى معجزة من السماء، طالما لم تتوافق الأطراف المعنية على آلية يقبل فيها كل طرف بأن يتنازل عن الكثير مما يعتبرها ثوابت غير قابلة للنقاش باستثناء الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.