• دولار أمريكي 3.36
  • دينار أردني 4.74
  • يورو 4
  • جنيه مصري 0.21
06:38 م - الأربعاء 29 / يونيو / 2022

مسيرة العودة: اقتحام جدار اليأس

مسيرة العودة: اقتحام جدار اليأس
4صورة الكاتب

ألون بن دافيد

 

أخبار فلسطين  / ترجمة خاصة

 

بقلم: ألون بن دافيد

 

الآن، وعندما بدأ تلاشي مهرجان الاحتفال بالهجوم على المفاعل النووي السوري، لابدّ من العودة إلى الواقع البائس على الساحة الفلسطينية، الذي من شأنه أن يعكر أجواء الأعياد التي ننتظرها. من نهاية الأسبوع القادم سندخل وضعًا فيه - للمرة الأولى منذ "الجرف الصامد" - خطر حقيقي لوقوع المواجهة في غزة. إسرائيل التي أيدت لسبب ما المصالحة الفلسطينية توشك الآن أن تدفع ثمن فشلها.

 

في كتابه "القرش"، يصف رجل "الموساد" ميشكا بن ديفيد الحرب التي ستبدأ بمسيرة جماهيرية للفلسطينيين من غزة إلى الداخل الإسرائيلي، المسيرة التي تنجح في احتلال عسقلان وتصل إلى مشارف أسدود؛ أنه السيناريو الذي حرم الجيش الإسرائيلي النوم. كيف سنوقف آلاف المواطنين الذين يبدؤون الانطلاق باتجاهنا بكل بساطة؟ لست أدري إذا كانوا في حماس قد قرأوا هذا الكتاب، لكنهم سيكونون سعداء إذا خربوا لنا احتفاليات الـ 70 وزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

جميع أفراد القيادة العامة وصلوا أمس إلى قاعدة "تساليم" ليقفوا عن قرب على الاستعدادات لمواجهة مثل هذا الحدث: القناصة، أدوات تفريق المتظاهرين، وضع الأسوار، وحتى الدبابات التي من المفترض أن توقف المسيرة الجماهيرية. رئيس الأركان غادي ايزنكوت كان قد اكتوى في الماضي بمثل هذا الحدث، في يوم النكبة 2011 عندما كان قائدًا لمقر قيادة الشمال، نجح عشرات السوريون في التسلل إلى إسرائيل عبر الحدود بالقرب من مجدل شمس، وواحد منهم نجح حتى بالوصول إلى يافا، القوة التي كانت في المكان لم تجهز ولم تعرف كيف توقف مسيرة كهذه.

 

إذًا لا، ليس هناك تخوف من أن المسيرة الفلسطينية ستحتل مستوطنة إسرائيلية هذا الشهر، لكن هناك بالفعل تخوف من أن تنتهي محاولة كهذه بعشرات المصابين، مع كل ما يترتب عن ذلك من مخاطر. اللاعبان اللذان سيقودان إلى التدهور (يحيى السنوار وأبو مازن) يقفان الآن أبعد بكثير من شفير اليأس.

 

السنوار، وهو واحد من مؤسسي الذراع العسكرية لحماس، يُعتبر أحد المعالم الواضحة في التنظيم، أمضى 22 عامًا في السجون الإسرائيلية بسبب قتل عملاء فلسطينيين، في الفترة التي أمضى فيها عقوبته أصيب بالسرطان وأجريت له عملية في إسرائيل وتم إنقاذ حياته. بعد أربع سنوات من إطلاق سراحه في صفقة شاليط، أصبح زعيمًا لحماس، التحليل الرائج في إسرائيل لهذا التعيين كان ان السنوار سيقود حماس إلى خط متشدد، ولكنه فكر خلاف ذلك تمامًا.

 

كشخص اكتسب شهرته كـ "إرهابي معروف"، حاول ان يظهر أنه سياسي، وقد فرض ضبط النفس على حماس في الثلاث سنوات ونصف التي انقضت منذ "الجرف الصامد": 43 شهرًا مرت دون ان تطلق حماس ولو طلقة واحدة تجاه إسرائيل، في المقابل وضع كل ثقله ليحقق المصالحة مع السلطة الفلسطينية على أمل أن يخرج غزة من ضائقتها الاقتصادية. "سنكسر أيدي وأرجل من يعرقل المصالحة" هدد عندما وقع الاتفاق، غير ان أبا مازن لم ينوِ حقًا ان يصطلح مع حماس، وإنما أراد ان يذلها أكثر، من حينها اختفى السنوار، وانقضت ثلاثة أشهر دون أن يُسمع له صوت.

 

لعلمه بالضيق المتزايد في القطاع، كان مستعدا للذهاب بعيدًا من أجل تحقيق المصالحة، لأن يقدم لأبي مازن سيطرة مدنية كاملة على القطاع، بما في ذلك الأمن الداخلي، لكنه لم يفكر ولو للحظة واحدة في تفكيك الجناح العسكري لحماس؛ سبب ضمان بقاء التنظيم، وهنا جاءت محاولة تنفيذ العملية بموكب رئيس الحكومة رامي الحمد الله، وزودت أبا مازن الحجة الأخيرة للانفجار.

 

أبو مازن يعيش آخر أيامه وفي أسوأ لحظات ذلها، نجح في إغضاب الرئيس ترامب عندما رفض طلبًا مباشرًا بوقف تمويل المخربين وأدارت الإدارة الأمريكية ظهرها له، قيادات العالم العربي والعالم كله غير مهتمين به حقًا، وهو الآن يرى كيف سيصبح عند موته على هامش التاريخ. الرجل الذي خسر غزة لصالح حماس، والذي صرّح بمعارضته للإرهاب، لكنه دعمه ماليًا، والذي فوّت فرصة لا تتكرر لصفقة مع إسرائيل أيام ايهود أولمرت يوشك أن يتلقى قريبًا مشروعًا أمريكيًا يصعب هضمه بشأن الاتفاق مع إسرائيل.

 

المكان الوحيد الذي ما يزال يستطيع أن يؤثر فيه هو غزة: السلطة الفلسطينية تحوّل إلى غزة كل شهر مبلغًا محترمًا (110 مليون دولار) ويهدد أبو مازن بقطعه، هذا المال يذهب للرواتب والكهرباء والنظام التعليمي والصحة والبنى التحتية. يذكر في العام 2014 ان إسرائيل هي التي أوقفت تحويل الرواتب إلى غزة، وتورطت في الحرب التي لم تردها لا حماس ولا إسرائيل، وهو الآن سيكون سعيدًا لو شاهدنا وحماس ننزف في حرب أخرى، بينما يقف هو متفرجًا.

 

افتتح لدينا فرع رياضي جديد: السخرية من أبي مازن وتوجيه الصفعات له، أحيانًا يبدو لي أننا نسينا أن أبا مازن ليس صديقًا لإسرائيل وليس صهيونيًا، إنه رئيس السلطة الفلسطينية وما يزال كذلك، إنه يستخدم قوات أمنية، من بين الكثير من الأمور التي تقوم بها تنقذ بسلام الإسرائيليين الذي يعلقون في المدن الفلسطينية.

 

هو والسنوار على حد سواء يريدان ان يثبتا في الأشهر القريبة أنهما جهتان على الأمريكيين ان يفكرا بهما في أي مسودة اتفاق يطرحونها، يبدو ان كلاهما لا يريدان المواجهة مع إسرائيل، لكنهما مستعدان للمخاطرة باحتكاك أكثر ارتفاعًا. السنوار لا يريد الحرب، لكنه متجهز وناضج للقيام بتبادل لإطلاق النار معنا، والذي من شأنه ان يتدهور لمواجهة مماثلة، أبو مازن من جانبه مستعد لرفع درجة الحرارة في الضفة، حتى وإن أدى ذلك إلى إشعال رذاذ الوقود التي في الأجواء.

 

أبو مازن يشعر بالاحتقان المتزايد داخل شعبه بسبب الفساد، بينما وضعه السياسي مترنح وليس لديه سبب ليقلق على حسابه في البنك، لكن الآن وافق الكونغرس الأمريكي أيضًا على قانون "تايلور فورس" الذي قلص حوالي 150 مليون دولار من المساعدات المقدمة للمنظمات العاملة في السلطة الفلسطينية. إضافة إلى ذلك اقتطعت المساعدة الأمريكية المقدمة للأونروا، الأمر الذي سيزيد من الاحتقان، أبو مازن سيكون سعيدًا لو وجهت هذه الطاقة باتجاهنا.

 

سيحتفل هذا الأسبوع بيوم مولده الـ 83، صحته ليس جيدة، رغم انه مدخن مدمن غير انه نجح في العيش مطولًا، رغم ذلك لم يبق له الكثير. ليس له وريث طبيعي؛ لذلك فالمجموعة التي من حوله تتأهب للإمساك باللجام: نائبه محمود العالول، وماجد فرج رئيس المخابرات الناشط، ورئيس الحكومة رامي الحمد الله، وحسين الشيخ المسؤول عن الشؤون المدنية، وجبريل الرجوب صديقنا، والدبلوماسي الأبدي صائب عريقات، إنها مجموعة يمكن لإسرائيل أن تعمل معها، حتى وإن اختارت أن تنصب على رأسها قائدًا رمزيًا مثل مروان البرغوثي المعتقل. ليسوا صهاينة وليسوا حراس للتوراة، لكنهم يعرفوننا جيدًا ويفضلون الاتفاق على الدولة ثنائية القومية.

 

في الأثناء، وإلى حين تبدل السلطة، ليست إسرائيل بحاجة أو أي شيء تربحه من مواجهة جديدة مع غزة أو من اندلاع العنف في المناطق؛ لذلك فجنود كثيرون لن يأتوا للاحتفال بليلة العيد في البيت. لكن إذا نفذ أبو مازن تهديده وأغلق حنفية تمويل غزة، سيكون على إسرائيل ان تموّل بنفسها المساعدات الانسانية الأساسية: الكهرباء والأدوية والأغذية، والأفضل ألا يأتي قرار كهذا فقط وكأنه اطفاء حريق آني، وإنما في إطار استراتيجية إسرائيلية شاملة تجاه غزة والضفة الغربية.

 

 

المصدر : مركز أطلس للدراسات